قضايا وآراء

وقفة مع الحملة الجديدة على الرئيس مرسي وفكر جماعة "الإخوان"!

1300x600
تشهد الساحة السياسية والإعلامية في الآونة الأخيرة حملة جديدة ومكثفة على الرئيس محمد مرسي -يرحمه الله- وفكر وتجربة جماعة "الإخوان المسلمين"؛ لا تقل شراسة عن الحملة الأمنية المتواصلة ضدهم. ويتبنى الترويج لهذه الحملة إعلام دول، ويشارك فيها مسؤولون كبار تزامنا مع مؤتمرات بحثية تحاول تضليل الرأي العام وتزييف وعيه بشأن هذه الجماعة؛ التي أولاها الشعب وحلفاؤها ثقتهم في عدة استحقاقات انتخابية عقب ثورة يناير 2011م، شهد العالم أجمع بنزاهتها. وتتمثل تلك الحملة في:

- إصدار أحكام مسبقة وموجهة ضد الجماعة بغطاء علمي بحثي، تنتهي إلى طلب تغيير فكرها وبنيتها التنظيمية أو حلّها لتكون أثرا بعد عين.

- محاولات تفتيت الجماعة من داخلها وخطفها في اتجاه معين حدده "المعلم يعقوب الجديد"؛ بإحداث انشقاق في صفها بيد بعض أبنائها، ومن ثم يسهل توجيهها فكريا وسلوكيا، والتسويق لذلك باعتباره تطورا وتماشيا مع العصر.

- تشكيك بعض كبار الساسة الرسميين في أهلية أبناء الجماعة لتولي أية مسؤولية، والتخويف منها باعتبارها "أصل كل شر"!

ومن بين الأفكار الأساسية التي يتم الترويج لها ضمن الحملة الجديدة:

- ما رشح عن بعض المؤتمرات من دراسات تظهر أن "ثورة يناير كانت أكبر من الإخوان فكرا ومشروعا"، وأن "الانقلاب نجح في عزل الجماعة شعبيا"، وأن هناك "غيابا للمشروع السياسي للإخوان، وضبابية في رؤيتها حول القضايا الأساسية للدولة" أو أن "رؤية الإخوان إزاء الدولة غير متماسكة".
المنطق يقول إن رئيسا وجماعة بهذا المستوى لا تستحق عناء انقلاب عسكري مدعوم بقوة من قوى إقليمية وغربية، وكان ينبغي أن تهمل حتى تسقط من تلقاء نفسها.. أليس كذلك؟!

- ما تحدث به مسؤول خليجي سابق من أن "الرئيس مرسي لم يكن ذكيا ولم يصلح للحكم.."، وأن "مستوى الأفراد في إدارته كان ضعيفا جدا ولا يقدرون على حكم دولة.. ما تقدر تخليهم على دكان".

وبناء على هذا الكلام فإن المنطق يقول إن رئيسا وجماعة بهذا المستوى لا تستحق عناء انقلاب عسكري مدعوم بقوة من قوى إقليمية وغربية، وكان ينبغي أن تهمل حتى تسقط من تلقاء نفسها.. أليس كذلك؟!

لكن مسؤولا خليجيا أرفع كذب هذا الكلام دون قصد، معترفا بقوة الجماعة الضاربة فكريا وتنظيميا، وبالتالي بقوة الرئيس الذي جاء منها حتى باتت تلعب دورا كبيرا في المنطقة، أيا كان نوع هذا الدور في رأيه: "جماعة الإخوان المسلمين تلعب دورا كبيرا وضخما في خلق التطرف على مدى العقود الماضية"، وأن "أسامة بن لادن والظواهري كانا من الإخوان المسلمين، وقائد تنظيم داعش كان من الإخوان المسلمين". 

وتأمل معي مليا كلمة الصدق التي خرجت منه بقوله إن ابن لادن والظواهري وقائد تنظيم داعش "كانوا إخوانا"، وهو ما يعني أنهم فارقوا الجماعة. وقد شرح الظواهري وابن لادن أسباب ذلك وأرجعاه لخلاف فكري، وأشبعا الإخوان قدحا وذما، وبالتالي فإن ذلك يؤكد أن الجماعة لا تفرخ التطرف والإرهاب، وإنما تفارق من يعتنق ذلك التطرف ويخالف نهجها الوسطي السلمي. وذلك ثابت في كل مراحل تاريخها على امتداد ما يقرب من قرن من الزمان، وليرجع من شاء إلى موقف المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي؛ الصلب ضد التطرف والإرهاب الذي ولدته أهوال سجون عبد الناصر لدى كثير من الشباب في ذلك الوقت، تاركا لنا مرجعه الفقهي والدعوي التاريخي "دعاة لا قضاة".

وإزاء هذا الكلام المرسل الذي لا يستند إلى أية أدلة موضوعية، من المهم التأكيد على ما يلي:
اتهام الإخوان بأنهم ليسوا مؤهلين للحكم ولا يملكون مشروعا سياسيا، يجافي كل الحقائق، فالإخوان جزء أصيل من الشعب ويعمل أفرادهم في معظم مؤسسات الدولة، وخرج من بينهم رئيس منتخب عمل منذ اليوم الأول لانتخابه على تنفيذ مشروع متكامل، وسجل إنجازاته موجود

أولا- إن اتهام الإخوان بأنهم ليسوا مؤهلين للحكم ولا يملكون مشروعا سياسيا، يجافي كل الحقائق، فالإخوان جزء أصيل من الشعب ويعمل أفرادهم في معظم مؤسسات الدولة، وخرج من بينهم رئيس منتخب عمل منذ اليوم الأول لانتخابه على تنفيذ مشروع متكامل، وسجل إنجازاته موجود ويحمل كل الأدلة على انطلاقه نحو النجاح.

ثانيا- ومن هنا فإن الدفع بأن الرئيس مرسي "لم يكن يصلح كلية" ليكون رئيساً لمصر، وأنه غير مؤهل سياسيا، فيه افتراء كبير، فهو العالم في تخصصه العلمي الدقيق والأستاذ الجامعي، والنائب البرلماني المخضرم، والمثقف الواعي، ورئيس أكبر حزب في مصر بعد الثورة، وترد على ذلك شهادة الذين عملوا معه عن قرب.. في الحكومة أو في المجال العلمي، ومنهم المستشار الجليل أحمد مكي، أول وزير عدل في حكومته، والذي قال في مداخلة تاريخية مع قناة الجزيرة مباشر في 17 حزيران/ يونيو 2020م:

"أشهد أني لم أر رئيسا مثله في حياتي من بين الرؤساء المتعاقبين على مصر.. ولو أتيحت له الفرصة لإكمال مدته الرئاسية لأحدث نقلة تاريخية في الديمقراطية والحريات.. كان حلما أتمنى أن يتحقق في يوم من الأيام..".

وشهادة العالم المصري د. عصام حجي في مقال له بعنوان: "د. محمد مرسي في ميزان العلم والأخلاق" (الجزيرة نت 29 حزيران/ يونيو 2019م):

"لم يكن د. محمد مرسي فقط أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ولكنه -وهو الأهم- كان الرئيس ‏الأفضل تعليماً وعلماً من كل من سبقوه.. كان داعماً للعلم ومات محارباً للجهل".

ثم هل من الإنصاف أن نقيّم تجربة الرئيس محمد مرسي ونصدر حكما نهائيا عليها بعد عام واحد فقط؛ لم يخل من معوقات مصطنعة؟!
هل من الإنصاف أن نقيّم تجربة الرئيس محمد مرسي ونصدر حكما نهائيا عليها بعد عام واحد فقط؛ لم يخل من معوقات مصطنعة؟!

كما أن الدفع بأن الفريق الرئاسي الذي كان يعاونه لا يصلح لإدارة "دكان" فيه تسطيح للأمور، فمساعدو الرئيس وفريقه كانوا جميعا من ذوي التخصصات العلمية الرفيعة والخبرات الواسعة.

حقا.. لقد تم تحذير الرئيس مرسي من الانقلاب، لكن الثابت أن الرجل فضل المراهنة على المخلصين من المؤسسة العسكرية، محذرا أكثر من مرة من إراقة الدماء ومؤكدا أن حياته هي ثمن الحفاظ على الشرعية.

ثالثا: جماعة الإخوان لم تُعزل شعبيا بالانقلاب العسكري كما يدعي البعض، بل حيل بينها وبين الشعب بالقوة المسلحة، وبقيت هي حاضرة في وعي الجماهير وفي وجدان المحبين لها، والفيصل في ذلك هو صندوق الانتخابات واستطلاعات الرأي النزيهة. ثم طالما أن الرئيس مرسي وتجربته بهذا الفشل، لماذا لم يتركه الانقلابيون وداعموهم ليواصل فشله ويكون قرار تنحيته عبر صندوق الانتخابات؟! أما اللجوء للانقلاب العسكري عليه والتنكيل به وبأنصاره فذلك دليل على نجاحه وانطلاق مشروعه، وإن مواصلة التشنيع والتشويه لتجربته هي محاولة لقطع الطريق على عودة التجربة مرة أخرى.

في التحليل الأخير.. أعتقد أن محصلة تاريخ الجماعة تؤكد استعصاءها على التفكيك أو التذويب وستظل قوية بعون الله، لأن أصلها ثابت وهو القرآن والسنة، وفروعها في كل بقاع الأرض تقدم نموذجا حيا نقيا لهدي الإسلام الحنيف. ولو أنصف من يحاربونها مع أنفسهم لاستفادوا من مخزون تاريخها وقدراتها والكفاءات العلمية الكبرى التي تضمها في انطلاق نهضة كبرى، لكن ذلك يرعب الكيان الصهيوني ويخيف الغرب.