مقالات مختارة

صفعة "أوبك+" وصدمة الغرب

1300x600

القرار الصادم الذي اتخذته "أوبك بلس" الأسبوع الماضي بخفض إنتاج النفط بمليوني برميل يوميا، دليل على إحباط كبير من الطريق اليائس الذي أخذته الحرب في أوكرانيا واتجاهها نحو الاستمرار طويلا، ومن السياسة الغربية حيالها.


القرار الجريء هو أيضا علامة أخرى على أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، يمكن أن يتحكم في يوميات الحرب وصيرورتها والدعاية النفسية لها، لكنه لن يسيطر على تداعياتها الواسعة والمبعثرة جغرافيا واستراتيجيا.


هذا لا يعني أن روسيا تنتصر الآن، أو ستنتصر في نهاية المطاف. يجب الانتظار طويلا للتأكد مَن هم الرابحون ومَن الخاسرون.


حاليا، يبدو الموقف أقرب إلى العبثية في حرب تجري على أكثر من جبهة، في السر والعلنية، عبر شبكة معقَّدة من الوكلاء ووكلاء الوكلاء.


لكن الدرس الأكيد أن العالم يتغيَّر في العمق وبسرعة شديدة. والتغيير ليس في صالح القوى الغربية التقليدية. وليس بالضرورة في مصلحة روسيا. وحتما ليس في صالح أوكرانيا مسرح المواجهة والخراب بكل أنواعه. وأكيد ليس في صالح شعوب العالم الثالث أينما كانوا.


رغم خطورة ما أقدم عليه بغزو بلد مستقل عضو في الأمم المتحدة، نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كسب داعمين لم يكونوا في صف بلاده قبل الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي.

 

ورغم الأنباء عن تلويحه بحرب نووية في قلب أوروبا، لم يخسر بوتين الكثير من قائمة داعميه أو المحايدين.


ليس الفضل في هذا الاصطفاف لحكمة أو ذكاء خارق من بوتين، ولكن لارتباك في السياسة الغربية وقلة إدراك لرهانات العالم وإمعان في الاستهتار بها. كثيرا ما قيل وكُتب أن بوتين بحربه في أوكرانيا نجح في توحيد الغرب بعد عقود من الخلاف والاختلاف. لكن ما لا يقال هو أن هذا الغرب نادرا ما شهد ارتباكا تجاه أزمة خطيرة بين ظهرانيه كما هو مرتبك اليوم. ومهما كانت نهاية الحرب في أوكرانيا، يستحيل أن يعود الغرب كما كان قبلها في ترتيبه الداخلي وفي تعاطيه الخارجي مع الآخرين.


ارتباك الغرب حاليا ثنائي الشكل، داخلي بين أفراد البيت الواحد، وخارجي يخص الحلفاء والشركاء. بالغرب أقصد الولايات المتحدة الأمريكية لأنها القاطرة، بينما الآخرون مجرد عربات ملحقة بالقاطرة.


ماذا يدفع المملكة العربية السعودية إلى التحالف مع روسيا في "أوبك"، وهي تعلم خطورة ذلك، غير التعب والمرارة من السياسة الأمريكية معها؟ وما الذي يدفع أكثر من ثلثي دول إفريقيا إما إلى البقاء على الحياد أو إلى دعم بوتين علنا غير التعب والإحباط من السياسة الغربية تجاه إفريقيا القائمة على النظرة الاستعمارية التي ترفض أن تتغير؟ وماذا يجعل حكومات في قلب أوروبا (المجر وبدرجة أقل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا) تتردد في الانجرار وراء الاندفاع الأمريكي إلى التصعيد مع روسيا غير انعدام الثقة في التوجه الغربي بقيادة الولايات المتحدة والخوف من تبعاته؟


هذه الجرأة تقابلها (تحركها) قناعة بأن الغرب ضَعُف ولم يعد كما كان، وأن هذا الضعف يجعل من السهل تحدِّيه ومقارعته، دون الخوف من عواقب وخيمة. يُفسَّر هذا الضعف بظروف داخلية تتمثل في الأزمات المتنوعة التي تعيشها المجتمعات الغربية ومنظوماتها السياسية والمدنية، وأخرى خارجية أبرزها فقدان الغرب نفوذه الأخلاقي وصعود قوى وفضاءات جديدة عبر العالم متمردة على الغرب التقليدي أو ترفض الانصياع له.


لقد لاحظ العالم أن رد فعل البيت الأبيض على قرار "أوبك بلس" لم يحقق الردع المنتظر منه. مرَّ مرور الكرام، والأهم من ذلك لم يُعِدْ أصحاب القرار عن قرارهم، ولم يدفعهم حتى إلى تبرير قرارهم أو الاعتذار عنه.


رغم أن قرار "أوبك بلس" اتُخذ بالإجماع، توجهت الأنظار إلى الرياض لأنها القوة النفطية الأولى. لكن الرياض اختارت أن تتصرف وكأنها غير معنية بالغضب الأمريكي رغم أنه يستهدفها ويضع العتب عليها قبل غيرها.. هي التي قبل شهرين خصَّها الرئيس الأمريكي جو بايدن بزيارة تاريخية.


من الضروري التنبيه إلى أن "التمرد" السعودي عبر قرار "أوبك بلس" لن يكون أبديًا، ولا يشكل إطلاقا نهاية للتحالف الأمريكي السعودي المتين القائم منذ أكثر من سبعة عقود. ومن المهم القول، في المقابل، إن الاستياء الأمريكي من التصرف السعودي لا يعني بالضرورة توجها نحو فضّ هذا التحالف.

 

الواقع أقوى وأكثر قدرة على التكيّف مع الصدمات: لا السعودية تستطيع التخلي عن أمريكا ولا أمريكا تمتلك ترف الاستغناء عن السعودية. الأولى تحتاج نفط الثانية والثانية تحتاج حماية الأولى. وهناك ما لا يقل أهمية عن النفط والسلاح.. إيران، إسرائيل، التوازنات في الشرق الأوسط وحاجة أمريكا للسعودية كوكيل إقليمي وفي العالم الإسلامي. وجود إدارة ديمقراطية في البيت الأبيض يُلقي دومًا ببعض الظلال غير الإيجابية بين العاصمتين، لكن دون أن يرقى إلى الإضرار الشديد بالعلاقات بينهما وبمصالحهما المشتركة. العلاقات السعودية الأمريكية تكون في أزهى حالاتها في وجود الجمهوريين في البيت الأبيض والكونغرس، الشيء الذي يصنع بهجة كارتلات النفط والسلاح في واشنطن وتكساس وغيرهما، وينشر الطمأنينة في الرياض.


يبدو العالم، بما في ذلك أوروبا، الآن وكأنه توصّل إلى قناعة مفادها أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول من الحرب في أوكرانيا ولا تريد انتهاءها إلا متى وكيفما ترى هي وحدها. وهذه النهاية، متى ما كانت، ستكون على حساب الكل باستثناء المصالح الأمريكية.


للحيلولة دون الوصل إلى هذه النهاية، يحتاج الآخرون أمثال "أوبك بلس" إلى التمسك بيقظتهم وتشددهم، ويحتاج الأوروبيون إلى امتلاك شجاعة التحرك دفاعا عن مصالح مجتمعاتهم خارج المظلة الأمريكية.

 

 

القدس العربي