كتاب عربي 21

في عالم موازٍ.. يسبّون أبا حنيفة!

نُقل عن المدخلي تبديعه لأبي حنيفة وآخرين
انقسم، قبل عقود، وسط سلفيّ معاصر يُدعى لدى خصومه، كما صار يُدعى في مجمل الأدبيات المهتمّة بالظاهرة السلفية المعاصرة، بـ"الجامية/ المدخلية". دار ذلك الانقسام حول تبديع معيّنين من علماء الإسلام المتقدّمين، كالنووي وابن حجر العسقلاني، بوصفهم أشاعرة، وقد تبدو مفارقة، والحالة هذه، القول إنّ هذا الانقسام اتكأ على مقولة أخلاقية، بغض النظر عن الدوافع الشخصية أو المصلحية لأطراف الانقسام، إذ كان يحتجّ المجاهر بتبديع هؤلاء العلماء، بضرورة طرد قاعدة التبديع، بحيث لا تقتصر على المعاصرين، وإنما تطال كلّ من تلبّس "بالبدع" ذاتها، تقدّم أم تأخّر، انتسب للسلفية أم جاهر بمخالفتها، مما يعني أنّ الدعوى هنا دعوى اتساق وانسجام وإنصاف، لا تراعي مصلحة سياسية أو اجتماعية، ولا تحابي قريباً على حساب الحقّ!

طرفا هذا الانقسام، في حينه، هما ربيع المدخلي، الشيخ المشهور لهذا الوسط، ومحمود الحداد، وهو رجل مصريّ الجنسية، صاحَبَ المدخليّ في المدينة المنوّرة سنتين ثمّ انفصل عنه، بعد أن خالفه بدعوى تناقضه في قضية التبديع هذه. ونقل عن المدخلي، وبعض كبار أصحابه، أنّهم في مجالس دون أخرى، يوافقونه في تبديع أمثال أبي حنيفة والنووي وابن حجر، بل ونقل عنه طعناً في كبار رؤوس السلفية المعاصرة، كابن باز وابن عثيمين والألباني.

نقل عن المدخلي، وبعض كبار أصحابه، أنّهم في مجالس دون أخرى، يوافقونه في تبديع أمثال أبي حنيفة والنووي وابن حجر، بل ونقل عنه طعناً في كبار رؤوس السلفية المعاصرة، كابن باز وابن عثيمين والألباني

بالنسبة لهذا الوسط تحديداً، والذي مَرْكَز اشتغاله على الخصومة مع تيارات سياسية وفكرية أخرى، كالإخوان المسلمين، واتجاهات وشخصيات تُنسَب للسلفية لديها اهتمامات دعوية وسياسية، انتهى به الأمر إلى ما يصعب حصره، من الشظايا والانقسامات، في الدوائر المحيطة مباشرة بالمدخلي، وفي عموم بلاد المسلمين حيثما وُجِد من اتصل بهذا الوسط!

كانت تبدو قوّة هذا الوسط في الجملة داخل الأوساط السلفية، وبغضّ النظر عمّا يقال عن ارتباطه بالأمن، في قدرته على المزايدة باسم السلفية على بقية المنتسبين للسلفية المعاصرة، بتوظيف مقولات لبعض أهل القرون الأولى، وبعض أهل الحديث في "أهل البدع"، بمعنى أنّ المزايدة هنا باسم القاعدة المشتركة، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة مستويات؛ المستوى الوهابي القريب وأدبياته التي شاع تدريسها في الحلقات العلمية السلفية، وأقربها كتب محمد بن عبد الوهاب، مثل كتاب "التوحيد" و"كشف الشبهات" و"ثلاثة الأصول"، وشروحها، وما هو أوسع مادة وزمناً، مثل "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" والتي تضمّ رسائل أئمة الدعوة النجدية منذ زمن محمد بن عبد الوهاب وحتى القرن الرابع عشر الهجري. وأمّا المستوى الثاني فهو المستوى التيمي، وهو المستوى الأكثر إرباكاً للسلفية المعاصرة لتركيب هذا المستوى وتعقيده وتعدد مجالات اشتغاله، ثمّ مستوى السلف المتقدّمين، مروراً ببعض رموز أهل الحديث الذين ربما تأخّروا عنهم.

يمثّل ابن تيمية واسطة العقد بالنسبة للسلفية المعاصرة عموماً، ولعلّ هذا الوصف دقيق، فابن تيمية، في النظرية السلفية المعاصرة، هو الأهمّ من حيث "تحرير مذاهب السلف وتقريرها وبيانها"، فهو بهذا الاعتبار لدى السلفية المعاصرة من جدّد مذاهب السلف، من بعد اندراس، وهو الأعلم بها، وقد يُطلِق بعضهم القول بأنه أعلم أهل الإسلام قاطبة، لكنّها -أي السلفية المعاصرة- وبالرغم من ذلك، لا تَنسِبُ نفسها له، وإنّما للسلف، أي لمستوى أعلى، هو البداية، وهو بحسب ما يمكن فهمه من التنظير السلفي المعاصر، التجسيد التاريخي للإسلام. ومن ثمّ، وبعد أن كان ابن تيمية حاكماً في جلّ القضايا العقدية والتاريخية والفقهية، سيصير في مراحل تالية موضع حيرة في الجدل السلفي، حول قضايا عقدية، كالإعذار بالجهل في التكفير، وفي تكفير أعيان أئمة الأشاعرة، وفي بعض من "للسلف" كلام فيهم من المتقدّمين كأبي حنيفة.

بعد أن كان ابن تيمية حاكماً في جلّ القضايا العقدية والتاريخية والفقهية، سيصير في مراحل تالية موضع حيرة في الجدل السلفي، حول قضايا عقدية، كالإعذار بالجهل في التكفير، وفي تكفير أعيان أئمة الأشاعرة، وفي بعض من "للسلف" كلام فيهم من المتقدّمين كأبي حنيفة

وبالرغم من إشكالية الموضع التيمي من هذا الجدل الدائر الآن في بعض الدوائر، فإنّ صاحب المدخلي، محمود الحداد، كان متنبهاً من البداية لإمكان الاحتجاج عليه بابن تيمية، فصرّح بمخالفته لابن تيمية، وفقاً لقواعد ابن تيمية نفسها، أي بالاحتكام للسلف!

يُلاحظ، إذن، أنّ الجدل السلفيّ المعاصر يتوتّر في العلاقة بين ثلاث حلقات؛ الوهابية القريبة، والتيمية الوسيطة، ومقولات السلف المتقدّمين. وأمّا من حيث العلاقة بابن تيمية، فهي متفاوتة من جهة الاطلاع، إذ يقتصر بعضهم على الكتب السهلة القريبة، كـ"الواسطية"، بالإضافة إلى الاهتمام باختياراته الفقهية، ويقصر عن الكتب المبسوطة المتسمة بالتعقيد والتركيب والاستطرادات والجدل والحجاج والتضمينات الفلسفية والكلامية، كـ"درء التعارض" و"بيان تلبيس الجهمية" و"منهاج السنة". وفي حين يتوسع البعض في دراسة ابن تيمية وفهمه، فإنّ الوعي النقدي لدى المتوسعين متفاوت، بين المسعى المعرفي وبين المسعى الأيديولوجي الرامي لإعادة تقديم ابن تيمية ونشره من جديد، وهذا بقطع النظر عمن يرى ابن تيمية قيمة فلسفية منفصلة عن السلفية المعاصرة.

وبالرغم من أنّ سعة الموروث التيميّ مربكة للسلفية المعاصرة، حتى في ماهية علم الكلام الذي ينتقده ابن تيمية، ثمّ يبدو مشتغلاً به وموظّفاً له في ردود كلامية صرفة، إلا أنّ النقد الشامل، الذي مارسه ابن تيمية للمذاهب الإسلامية الكلامية، باسم السلف، مستخدماً في تعريف خصومه، كالأشاعرة، أوصافاً قديمة باتت ذات سمة تعبيرية كالجهمية، يمثّل الوعي السلفي المعاصر إزاء هذه المذاهب، أو فاتحة هذا الوعي، فإنْ تجاوَزه بعضهم من غير الزاوية المعرفية والتاريخية، وإنما في مسعى للاتساق، فسوف يؤول به الحال إلى المزايدة على ابن تيمية كذلك باسم السلف، إذ لن يقبل ما يراه تناقضاً بين أوصاف ابن تيمية للأشاعرة ثم إعذاره لأعيانهم، أو نقل بعض ما قيل في أئمة متبوعين ثم التجاوز عنه وكأنّه لم يقل!

يعود هذا السجال، الذي دار قبل عقود، هذه الأيام، مع ما توفّره مواقع التواصل الاجتماعي، من أدوات للانتشار، حتّى للذين لا يستندون إلى قدرات علمية واضحة، إذ يسهل اصطناع المشيخة وتكوين الأتباع والمريدين في هذه المواقع، ولا يلزم لأجل ذلك أكثر من الجرأة والجَلَد. السجال الدائر الآن، داخل أوساط سلفية تُعبّر عنها نشاطات راهنة، يتعلّق بعدة محاور، من أهمّها تكفير بعض أئمة المسلمين كأبي حنيفة والنووي وابن حجر العسقلاني. وهنا يحضر الموقف التيمي مركزيّاً في السجال، ففي حين تبدو اللحظة التيمية مفتاحاً لدى أحد طرفيّ السجال في محاكمة هؤلاء الأئمة إلى تقريرات ابن تيمية، أو إلى المرجعية التي نصبها ابن تيمية وهي السلف، فإنّ طرفاً آخر يردّ بابن تيمية نفسه في إعذاره لهؤلاء، الأمر الذي سينتهي ببعضهم إلى المزايدة على ابن تيمية نفسه، بحذر بالغ، لثقل ابن تيمية في الوعي السلفي المعاصر!

من الواضح أنّ السجال لا يتقدّم إلى الأمام، بمراجعة المرجعيات نفسها، أو طرق النظر إليها، فالطرف الأكثر احتجاجاً بابن تيمية يبدو وكأنّه يرفعه إلى منزلة فوق التاريخ، أي وكأنه يسلّم بلسان الحال، بتقريراته ومقولاته كلّها دون فحص، ومن ثمّ فهذا الطرف، الذي هو أكثر مرونة وإعذاراً، لا يقدّم الموقف نفسه إزاء الدراسات التاريخية التي تراجع مقولات الشيخ، بخصوص ما ينسبه للسلف، أو لمذهب أحمد، أو لمذاهب مخالفيه، وسوى ذلك من مسائل وقضايا، الأمر الذي يعني أن السلفية بالنسبة لهذا الطرف تتجسّد في ابن تيمية، بينما الطرف الأقلّ مرونة وإعذاراً كان ابن تيمية بالنسبة له مفتاحاً لفهم السلف، الذين لا يراهم مرحلة تاريخية وإنما تجسيداً كاملاً للإسلام، مع ما في هذا التجسيد من إشكالات سوف تنتهي بهم إلى الانتقائية التي يرفضونها.

فتجسيد الإسلام في السلف يحتاج تحديداً للسلف، وحلاً لحقيقة اختلاف هذا السلف، وبياناً معقولاً للأسباب التي تدعو لاتخاذ البعض دون الآخر مرجعية، أو الاعتبار بأقوال دون أخرى، ثم الخطورة في طرد تحكيم السلف في بعضهم، دون أي ملاحظة تاريخية أو سياقية، في حال انتهى ذلك إلى الصحابة، إذ ما الذي يمنع الحكم عليهم بمقولات بعضهم في بعض، إذا جاز الحكم على أبي حنيفة بمقولات أقرانه من أهل زمانه، أو المخالفين له في مناهج النظر والاستدلال، في لحظة تاريخية معينة يمكن بفهمها تفسير ذلك الاختلاف دون استدعائه في لحظة تاريخية مختلفة تماماً؟!

جوهر المشكلة، في رأيي، في الافتقاد للوعي التاريخي، برفع شخصيات أو حقب تاريخية ملتبسة إلى منزلة تقارب الوحي، ودون ملاحظة السياقات التاريخية للخلافات التي دارت بين المسلمين، وعدم الاعتبار بما طوّره المسلمون من آليات لتجاوز تلك الخلافات

ثمّة الكثير مما يمكن قوله، من النزعة التصحيحية المفرطة لدى الشيخ ابن تيمية، التي ورثتها السلفيات المعاصرة، بما يفضي إلى التشظّي الدائم داخل الأوساط السلفية بتجلّياتها المتعددة، وبما ينعكس على عموم المسلمين، إلا أنّ جوهر المشكلة، في رأيي، في الافتقاد للوعي التاريخي، برفع شخصيات أو حقب تاريخية ملتبسة إلى منزلة تقارب الوحي، ودون ملاحظة السياقات التاريخية للخلافات التي دارت بين المسلمين، وعدم الاعتبار بما طوّره المسلمون من آليات لتجاوز تلك الخلافات. فكما طوّر أهل السنة نظرية تجاوزوا بها ما أشكل بين الصحابة، فقد طوّروا، في عملية بلورة وتدافع تاريخي، نظاماً مذهبيّاً يتجاوز مرحلة السجال بين التيارات العلمية والفكرية، بإدراج العديد من تلك التيارات داخل مفهوم أهل السنّة.

لا يعني ذلك منع العودة بالنظر والبحث عما قبل التبلور النهائي لمذاهب أهل السنة، ولكنّه يعني التعامل مع المعطى التاريخي بوصفه تاريخيّاً في بُعديه، ففهم ما أشكل قبل تبلور المفهوم، ينبغي أن يفضي إلى مرونة أكثر في التعامل مع المفهوم نفسه، بمذاهبه الكلامية والفقهية، وهو ما يستدعي التفاهم والتسامح. وأمّا فهم الكيفية التي تجاوز بها المسلمون خلافاتهم بتطوير هذا المفهوم، فينبغي أن يساعد على فهم خلافات السلف في سياقها التاريخي، ولا سيما أنها كانت تدافعاً طبيعيّاً بعد انقطاع الوحي، في تلمّس مناهج الفهم والاستنباط والتنزيل.

ومن جهة ثالثة، فإنّ التجاوز عمّا طوّره المسلمون من مدونات علمية وأنماط اجتماع مذهبيّ، حين طرده إلى أقصاه بدعوى العودة إلى السلف، في انقطاع كامل عن المعطى التاريخي، لن يورث فحسب إساءة نظر للتاريخ، وسوء ظنّ بالمساحة الأوسع من تاريخ المسلمين، بل إلى هذه الشقاقات التي قد تبدو للبعض وكأنّها تدور في عالم مواز منفصل عن هموم المسلمين الجارية، لا سيّما وأن الدعوة لتجاوز ذلك المتن العريض من تاريخ المسلمين بمعطياته العلمية والاجتماعية، لا يقتصر على السلفية، فهي دعوة معاصرة شائعة، تحضر كذلك في أطروحات العلمانيين وتيارات الإسلام السياسي. وبغض النظر عن النوايا والدوافع المتباينة بين الجميع، وأشكال ذلك الحضور ومضامينه، فإنّ افتقاد الوعي التاريخي لن يفضي إلا إلى خلط علمي ومعرفي، أو توظيف شائن للتاريخ، أو زيادة الواقع الجاري بؤساً.

twitter.com/sariorabi