كتاب عربي 21

عندما يقرأ الإسلاميون في كتاب واحد: هل يمكن استعادة الزمن الوحدوي الجميل؟

كانت كتب سيد قطب تترجم للفارسية
في لقاء خاص ضم عددا من القيادات الإسلامية المقاومة في بيروت مؤخرا استعاد هؤلاء بعض المراحل المهمة في تاريخ الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، حيث كان المنتمون لهذه الحركات (الإخوان المسلمون على امتداد العالم العربي والإسلامي، حزب الدعوة الإسلامية في العراق وفروعه العربية، منظمة فدائيو الإسلام الإيرانية التي كان يرأسها المناضل سيد نواب صفوي، قوى المعارضة الإسلامية في إيران، التيارات الإسلامية في لبنان ودول أخرى) ينهلون من فكر إسلامي موحد ويقرأون في كتب واحدة.

فكانت كتب سيد قطب ومحمد قطب تُقرأ في كل العالم العربي والإسلامي وتُترجم إلى الفارسية والأوردية، وكان مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي (أحد قادة الثورة الإيرانية آنذاك) يترجم كتبهما إلى الفارسية ويتم تدريسها للطلاب والعلماء بتأثر شديد، كما يروي في مذكراته المنشورة باللغة العربية.

كان المنتمون لهذه الحركات (الإخوان المسلمون على امتداد العالم العربي والإسلامي، حزب الدعوة الإسلامية في العراق وفروعه العربية، منظمة فدائيو الإسلام الإيرانية التي كان يرأسها المناضل سيد نواب صفوي، قوى المعارضة الإسلامية في إيران، التيارات الإسلامية في لبنان ودول أخرى) ينهلون من فكر إسلامي موحد ويقرأون في كتب واحدة

وكانت كتب المرجع الديني الشيعي الشهيد السيد محمد باقر الصدر (وخصوصا فلسفتنا، واقتصادنا، والبنك اللا ربوي) تشكّل مرجعية فكرية لكل الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في مواجهة الفكر الشيوعي والفكر الرأسمالي.

وكانت كتب الداعية الدكتور فتحي يكن تنتشر في كافة الأرجاء وتُعتبر أحد أهم مصادر العمل الإسلامي الحركي. كما انتشرت كتب أبو الأعلى المودودي وترجمت من الأوردية إلى الفارسية والعربية، وتحوّل المفكر مالك بن نبي إلى مرجع فكري لدراسة أسباب نهوض الأمم وتراجعها وتُرجمت كتبه من الفرنسية إلى العربية، وانتشرت كتب ومواقف أبو الحسن الندوي، والإمام حسن البنا، وجمال الدين الأفغاني، والمستشار حسن الهضيبي، والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والمرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والمفكر الدكتور حسن الترابي، والمفكر سميح عاطف الزين، والمفكر مصطفى السباعي، والدكتور محمد سليم العوا، والشاعر محمد إقبال، والدكتور طارق البشري، والعلامة الشيخ فيصل المولوي، والمفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، والمرجع السيد محسن الأمين، والمرجع السيد محسن الحكيم، والإمام السيد موسى الصدر.. في كافة الأرجاء.

وكل ذلك مهّد للتعاون والتقارب بين القوى والحركات الإسلامية، وصولا لانتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني.

وحتى حزب التحرير الإسلامي الذي كان على خلاف مع حركة الإخوان المسلمين وحزب الدعوة على الصعيد السياسي والفكري وانتقد لاحقا الثورة الإيرانية، فإن كتبه ومواقفه كانت تدرس ويستفاد منها من قبل العاملين في الساحة الإسلامية دون تمييز، وانتسب إلى هذا الحزب أتباع من كافة المذاهب الإسلامية رغم التباينات الفكرية والسياسية التي برزت لاحقا.

ومن ثم برز مفكرون وقياديون إسلاميون تابعوا مسيرة التقارب والوحدة والتعاون، سواء على المستوى الفكري أو على الصعيد الحركي والعملي وصولا للعمل المقاوم في لبنان وفلسطين. ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي، والمفكر الأستاذ منير شفيق، والدكتور رمضان عبد الله شلّح، والدكتور بشير نافع، والدكتور سعود المولى، والمناضل أنيس النقاش، والشيخ أحمد ياسين، والعلامة الشيخ محمد علي التسخيري، والشيخ راشد الغنوشي، والعلامة الشيخ سعيد شعبان، والقاضي الشيخ أحمد الزين، والعلامة السيد عباس الموسوي، والعلامة السيد هاني فحص، والعلامة السيد محمد حسن الأمين، وخليل عكاوي (أبو عربي)، والشيخ راغب حرب، والشيخ ماهر حمود، وصولا لكل قيادات المقاومة في لبنان وفلسطين.

خلال السنوات العشر الأخيرة عانت هذه الحركات من أزمات مختلفة أدت إلى تراجع الفكر الوحدوي وانتشار الاتجاهات المتشددة والمتطرفة، وأصبحت كل حركة إسلامية تقرأ في كتبها الخاصة، وأصبح من النادر جدا أن تجد مفكرا إسلاميا قادرا على اختراق الحدود المذهبية والجغرافية والفكرية

وبرزت في لبنان تجربة تجمع العلماء المسلمين الوحدوية، ولاحقا الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، كما كانت تجربة موقع إسلام أون لاين الإعلامية الوحدوية، وكانت هناك منابر ومجلات إسلامية وحدوية عديدة، وكذلك الأناشيد الإسلامية الموحّدة. وهذه المسيرة الوحدوية هي استكمال لتجربة مؤسسة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي نشأت في بدايات القرن العشرين واستمرت لفترة طويلة من خلال مجلة رسالة الإسلام، وشارك فيها عدد كبير من العلماء والمرجعيات الدينية والمفكرين من كل العالم العربي والإسلامي، ومن ثم تجربة مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية الذي تأسس في إيران بعد الثورة الإسلامية.

هذه المسيرة الوحدوية كان لها الدور الأساسي في العديد من الانتصارات التي تحققت في العالم العربي والإسلامي في مواجهة المحتلين أو المشاريع الغربية الفكرية، ولعبت دورا في حماية الفكر الإسلامي وانتشاره رغم التحديات الكبرى والضغوط التي تعرضت لها الحركات الإسلامية والصراعات التي عانت منها.

ولكن للأسف خلال السنوات العشر الأخيرة عانت هذه الحركات من أزمات مختلفة أدت إلى تراجع الفكر الوحدوي وانتشار الاتجاهات المتشددة والمتطرفة، وأصبحت كل حركة إسلامية تقرأ في كتبها الخاصة، وأصبح من النادر جدا أن تجد مفكرا إسلاميا قادرا على اختراق الحدود المذهبية والجغرافية والفكرية، رغم أن العالم أصبح قرية واحدة، وانتشرت الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن تساعد في انتشار الأفكار الوحدوية وتعزز التعاون والتكامل الإسلامي، وبدلا من ذلك شهدنا موجات التطرف والتشدد وعمليات التكفير وكل أشكال العنف، وبرزت الجماعات المتشددة والعنيفة.

قد تكون اللحظة السياسية اليوم مناسبة جدا من أجل العودة إلى الزمن الجميل، لكن ذلك يحتاج لجهود كبيرة وجبارة من قبل المفكرين والعلماء والقيادات الإسلامية، كي نخرج من زمن التشدد والمذهبية والانقسامات ونعود إلى زمن الوحدة والحوار والثقافة المشتركة

وبعد كل السنوات العجاف نشهد اليوم مبادرات ومساعي لعودة التقارب والتعاون على الصعيد العربي والإسلامي، ولعل الاتفاق الإيراني- السعودي برعاية صينية والتقارب العربي- التركي، وكذلك التقارب بين عدد من الدول العربية وسوريا وإيران، كل ذلك قد يساعد في إعادة أجواء الوحدة والحوار، كما أننا نشهد المزيد من التعاون والتنسيق بين قوى المقاومة في لبنان وفلسطين في مواجهة التصعيد الصهيوني.

فهل يمكن اليوم أن نعود إلى الزمن الجميل، زمن القراءة في كتاب واحد وعودة التعاون بين القوى والحركات الإسلامية لمواجهة مختلف التحديات؟ وهل يمكن أن نشهد مراجعة شاملة لكل المرحلة الماضية كي نكتشف أين أخطأنا وأين أصبنا، وكيف يمكن صياغة مشروع إسلامي حضاري جديد قادر على مواجهة مختلف التحديات والأسئلة الجديدة؟

قد تكون اللحظة السياسية اليوم مناسبة جدا من أجل العودة إلى الزمن الجميل، لكن ذلك يحتاج لجهود كبيرة وجبارة من قبل المفكرين والعلماء والقيادات الإسلامية، كي نخرج من زمن التشدد والمذهبية والانقسامات ونعود إلى زمن الوحدة والحوار والثقافة المشتركة.

فمن يحمل هذا المشعل اليوم؟ ومن يستعيد هذه المسيرة الوحدوية؟

twitter.com/kassirkassem