صحافة دولية

مؤرخ يهودي: بريطانيا والنكبة.. تاريخ من الغدر

حمل المؤرخ اليهودي آفي شليم مسؤولية النكبة لبريطانيا - تويتر
قال الأكاديمي والمؤرخ اليهودي البريطاني، آفي شليم، إن بريطانيا هي التي أوجدت الظروف التي جعلت النكبة الفلسطينية عام 1948 ممكنة. 

وأشار الكاتب في مقال بعنوان " بريطانيا والنكبة: تاريخ من الغدر" نشره موقع "ميدل إيست آي" إلى أن الفلسطينيين تعرضوا في عام 1948 لنكبة جماعية شاملة حجمها فوق التصور: ما يقرب من 530 قرية دمرت عن بكرة أبيها، وتم هدم أكثر من 62 ألف بيت، وقتل ما يقرب من 13 ألف فلسطيني، وشرد 750 ألف فلسطيني، ما يعادل ثلثي سكان فلسطين العرب، أبعدوا قسراً عن بيوتهم ليصبحوا لاجئين. 

واعتبر المؤرخ أن "الاستعمار الصهيوني الاستيطاني" ارتبط عبر حبل سري ببريطانيا، القوة الاستعمارية الأوروبية البارزة حينذاك.

وأضاف أنه "ما كان للحركة الصهيونية من دون الدعم البريطاني أن تتمكن من إنجاز مستوى النجاح الذي حققته في مشروعها لإقامة الدولة".

وتاليا نص المقال كاملا الذي ترجمته "عربي21":

في عام 1948، تعرض الفلسطينيون لنكبة جماعية شاملة حجمها فوق التصور: ما يقرب من 530 قرية دمرت عن بكرة أبيها، وتم هدم أكثر من 62 ألف بيت، وقتل ما يقرب من 13 ألف فلسطيني، وشرد 750 ألف فلسطيني، ما يعادل ثلثي سكان فلسطين العرب، أبعدوا قسراً عن بيوتهم ليصبحوا لاجئين. 
تلك كانت ذروة التطهير العرقي الذي مارسه الصهاينة بحق الفلسطينيين. 

من حيث الجوهر، لم تزل الصهيونية باستمرار حركة استعمارية استيطانية، غايتها النهائية هي إقامة دولة يهودية مستقلة في فلسطين على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وفي وجود أقل عدد ممكن من العرب داخل حدودها. ظل المتحدثون الصهاينة يكررون الزعم بأنهم لا يقصدون الإساءة إلى السكان العرب في البلاد، وأنهم إنما يريدون تنمية وتطوير البلد لمنفعة الطرفين. 

ولكن كان ذلك مجرد ثرثرة، أو كلام فاضي كما يقول العرب. 

تنطلق الحركة الصهيونية من منطق الاستعمار الاستيطاني. وما الاستعمار الاستيطاني إلا نمط من الهيمنة يتصف بما أطلق عليه المؤرخ باتريك وولف اسم "منطق الإبادة". تسعى أنظمة الاستعمار الاستيطاني إلى إخماد السكان الأصليين، أو على الأقل إلى إخماد استقلالهم الذاتي السياسي. بل إن إبادة السكان الأصليين شرط مسبق للاستيلاء على الأرض ومواردها الطبيعية. 

ولقد لاحظ نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي اليهودي البارز، أن "الاستعمار الاستيطاني هو أكثر أشكال الإمبريالية تطرفاً وسادية". والطابع المميز للاستعمار الاستيطاني هو القسوة وعدم احترام القانون وانعدام المبالاة بالعدالة والأخلاق. 

لم تكن الحركة الصهيونية سوى القسوة بعينها، فهي لم تكن تنوي التعاون مع السكان الأصليين من العرب من أجل الصالح العام، بل على العكس من ذلك، خططت الحركة لاستئصالهم. فالسبيل الوحيد لتحقيق المشروع الصهيوني والإبقاء عليه هو طرد عدد ضخم من العرب من ديارهم والاستيلاء على أراضيهم. 

يستخدم الصهاينة للتعبير عن عمليات الطرد والتهجير مصطلحاً مخادعاً ناعماً تتستر من خلفه، ألا وهو "ترانسفير" (النقل). 

الطريق نحو الدولة
ارتبط الاستعمار الصهيوني الاستيطاني عبر حبل سري ببريطانيا، القوة الاستعمارية الأوروبية البارزة حينذاك. وما كان للحركة الصهيونية بدون الدعم البريطاني أن تتمكن من إنجاز مستوى النجاح الذي حققته في مشروعها لإقامة الدولة. 

لقد مكنت بريطانيا شريكها الأصغر من المضي قدماً في حملة الاستيلاء على البلد. ومع ذلك لم يكن الطريق نحو الدولة معبداً وسهلاً. فمنذ ولادتها في أواخر القرن التاسع عشر، واجهت الحركة الصهيونية عقبة كبرى اعترضت طريقها، ألا وهي كون الأرض التي تحلم بإقامة الدولة عليها مأهولة من قبل شعب آخر. وبريطانيا هي التي مكنت الصهاينة من تجاوز هذه العقبة. 

في الثاني من نوفمبر 1917، أصدرت بريطانيا إعلان بلفور المشؤوم، الذي اكتسب وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، ووعد بمساندة بريطانيا في إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين". 
وكانت الغاية من الإعلان هي كسب دعم يهود العالم لبريطانيا في الحرب ضد ألمانيا والإمبراطورية العثمانية. أضيف شرط إلى نص الإعلان جاء فيه " على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين". رغم أنه تم الوفاء بالوعد إلا أن هذا الشطر سقط منه وتم تناسيه تماماً. 

في عام 1917، كانت المنطقة التي سميت فيما بعد فلسطين ماتزال تحت الحكم العثماني، وكان العرب يشكلون 90 بالمائة من سكان البلد، بينما يشكل اليهود ما نسبته 10 بالمائة ولا يملكون سوى 2 بالمائة من الأرض. وبذلك كان إعلان بلفور وثيقة استعمارية كلاسيكية لأنه منح حقوقاً وطنية لأقلية صغيرة بينما لم يمنح أكثر من "حقوق مدنية ودينية" للأغلبية. 

وإمعاناً في الإذلال والامتهان، أشار الإعلان إلى العرب، الذين يشكلون الأغلبية العظمى من السكان، بعبارة "الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين". ولذلك لم يكن ثمة مفر من أن يقاوم العرب الحكم البريطاني منذ اللحظة الأولى. 

هناك مقولة عربية مفادها أن ما نشأ معوجاً يبقى معوجاً. وفي هذه القضية، على أية حال، يصعب على المرء أن يرى كيف يمكن للإدارة البريطانية في فلسطين أن تستقيم دون أن تجلب على نفسها غضب الصهاينة المنتفعين منها.

في الحادي عشر من أغسطس / آب من عام 1919، كتب بلفور مذكرة صيغت بعبارات ناعمة جاء فيها: "إن الصهيونية، سواء كان صائبة أم خاطئة، وسواء كانت جيدة أم سيئة، متجذرة في تقاليد قديمة، وفي احتياجات عصرية، وفي آمال مستقبلية، أبعد غوراً بكثير من رغبات وتحيزات 700 ألف عربي يقيمون الآن في تلك الأرض العريقة"..

بمعنى آخر، لم يكن للعرب مكان في الحسبة، وأما حقوقهم، بما في ذلك حقهم الطبيعي في تقرير المصير الوطني، فقد تم تجاهلها باعتبارها مجرد "رغبات وتحيزات". 

في نفس المذكرة، قال بلفور إنه "فيما يتعلق بفلسطين، لم تصدر القوى بياناً بالحقائق ليس خاطئاً بإقرار الجميع، ولا بإعلان للسياسة لم ينووا دوماً، على الأقل في الخطاب، انتهاكه". يصعب أن يجد المرء اعترافاً آسراً بالخداع البريطاني أوضح من ذلك. 

ثقة مقدسة بالحضارة
في شهر يوليو / تموز من عام 1922، منحت عصبة الأمم بريطانيا الانتداب على فلسطين. وكانت مهمة القوة المنتدبة هي إعداد السكان المحليين حتى يحكموا أنفسهم بأنفسهم ثم تسليم السلطة لهم عندما يصبحوا قادرين على القيام بذلك. 

تم وصف الانتدابات في ميثاق العصبة بأنها "ثقة مقدسة بالحضارة". وكانت الغاية المعلنة منها هي تنمية المنطقة بما يعود بالفائدة على سكانها الأصليين، وتحويل الأقاليم العربية السابقة في الإمبراطورية العثمانية المهزومة إلى مدن قومية عصرية. ولكن في واقع الأمر لم تكن أكثر من مجرد غطاء للاستعمار الجديد. 

تحت وطأة الضغط الصهيوني القوي أصرت بريطانيا على إدماج إعلان بلفور في الانتداب على فلسطين، وكثيراً ما يقال إن ذلك حول الوعد البريطاني الرخو إلى واجب قانوني ملزم، ولكن هذا الزعم غير صحيح لسببين رئيسيين. 

أما الأول، فهو أن الانتداب ينتهك المادة 22 من الميثاق، والذي اشترط استشارة الناس المعنيين في المنطقة في اختيار قوة الانتداب. إلا أن بلفور رفض استشارة العرب لأنه كان يعلم جيداً جداً أنهم لو منحوا حرية الاختيار لكانوا عارضوا بشدة الحكم البريطاني. 

وأما الثاني، ما كان بإمكان بريطانيا تولي مهمة الانتداب لأنها في عام 1922 لم تكن لديها سيادة على فلسطين، بل كانت السيادة حتى 1924 لتركيا، كوريث للإمبراطورية العثمانية. وقد عبر عن ذلك بكل وضوح القاضي الأمريكي جون كويغلي في مقالة غير منشورة بعنوان "إخفاق بريطانيا في الحصول على تخريج قانوني لإعلان بلفور". يلخص في الإيجاز الفكرة على النحو التالي:
 
"دعت الوثيقة التي وضعتها بريطانيا حول حكمها لفلسطين (الانتداب على فلسطين) إلى تطبيق فكرة الوطن القومي اليهودي المذكور في إعلان بلفور. إلا أن حكم بريطانيا لفلسطين، حسبما هو مزعوم في خطة الانتداب التي وضعتها عصبة الأمم، لم يكتسب أساساً شرعياً على الإطلاق. فعصبة الأمم بموجب ميثاق العصبة لا صلاحية لديها لمنح أي قيمة قانونية للانتداب على فلسطين أو لمنح بريطانيا حق الحكم فيها". 

"لقد أخفقت بريطانيا في اكتساب السيادة، والتي كانت شرطاً مسبقاً للحكم في فلسطين أو لممارسة الانتداب. كما سعت بريطانيا في مناسبات مختلفة إلى إعطاء تفسيرات متنوعة، وذلك في محاولة لإثبات أنها لا تتمتع بالسيادة. ولم تعبأ الأمم المتحدة بالبحث في مدى قانونية الوضع البريطاني في فلسطين، بل قبلت بشرعية الانتداب على فلسطين كأساس لتقسيم البلد. وتبقى مسألة حقوق ملكية الأراضي في فلسطين التاريخية بلا حسم حتى يومنا هذا".

وحسبما يرى كويغلي لم يحصل أن تجاوزت بريطانيا وضع قوة محتلة غاشمة. وإذ يبني حجته لإثبات ذلك تجده يقدم كماً كبيراً من الأدلة الدامغة، كما فعل في كتابه الذي صدر في عام 2022 تحت عنوان "بريطانيا وانتدابها على فلسطين: مماحكة قانونية على المسرح الدولي". ليست المماحكة كلمة شديدة القسوة لوصف الطريقة التي تلاعبت بها بريطانيا بعصبة الأمم لكي تحصل منها على صلاحية حكم فلسطين، أو لوصف الطريقة التي أساءت بها بريطانيا استخدام هذه الصلاحيات لتحويل فلسطين من دولة ذات أغلبية عربية إلى دولة ذات أغلبية يهودية. 
التعهد بحماية الحقوق العربية
لا يمكن المبالغة بأهمية اشتمال الإعلان على تعهد بإقامة وطن قومي يهودي، فذلك جوهرياً هو الذي ميز الانتداب على فلسطين عن كل الانتدابات الأخرى التي موست في أقاليم الشرق الأوسط التي كانت يوماً جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. 

فالانتداب البريطاني في العراق والانتداب الفرنسي في سوريا والانتداب الفرنسي في لبنان كانت جميعها تتعلق بإعداد السكان المحليين لكي يحكموا أنفسهم بأنفسهم. أما الانتداب على فلسطين فكان يتعلق بتمكين الأجانب، اليهود الذين جاءوا من كل مكان في العالم، ولكن بشكل خاص من أوروبا، من الانضمام إلى أتباع ديانتهم في فلسطين وتحويل البلد إلى كيان قومي يسيطر عليه اليهود.
 
تضمن الانتداب التزاماً صريحاً بحماية الحقوق المدنية والدينية للعرب أو ما أطلق عليه عبارة "المجتمعات غير اليهودية في فلسطين". إلا أن بريطانيا فشلت فشلاً ذريعاً في حماية تلك الحقوق. ولا أدل على ذلك من أن أول مفوض سامي بريطاني في فلسطين، السير هيربرت صموئيل"، كان يهودياً وصهيونياً شديد الحماس. 

فرضت بريطانيا في عهده سلسلة من المراسيم التي سمحت بالهجرة اليهودية غير المقيدة إلى فلسطين، وبشراء اليهود للأراضي التي ما لبث الفلسطينيون يفلحونها على مدي أجيال متعاقبة. 
طالب العرب بفرض قيود على الهجرة اليهودية وعلى تملك اليهود للأراضي. كما طالبوا بمجلس وطني منتخب ديمقراطياً، كان من شأنه أن يعكس التوازن السكاني. إلا أن بريطانيا قاومت كل تلك المطالب وامتنعت عن إقامة المؤسسات الديمقراطية. كان الموجه الأساسي لسياسة الانتداب هو الامتناع عن تنظيم أي انتخابات إلى أن يصبح اليهود أغلبية. 

في عام 1936 انطلقت الثورة العربية ضد الحكم البريطاني في فلسطين، وكانت تلك ثورة وطنية استمرت حتى عام 1939. تم نشر قوات الجيش البريطاني لسحق التمرد، وكان الجيش يمارس أقسى درجات التوحش، وكثيراً ما كان جنوده ينتهكون قوانين الحرب. تضمنت الأساليب التي لجأ إليها الجيش البريطاني التعذيب، واستخدام الدروع البشرية، والاعتقال بلا محاكمة، وفرض أحكام الطوارئ شديدة القسوة، والإعدام بدون محاكمة، والعقوبات الجماعية، وهدم البيوت، وحرق القرى، والقصف بالطائرات. 

جل هذا العنف مورس ليس فقط ضد الثوار، بل وضد سكان القرى الذين اتهموا بمساعدة وحماية الثوار. نجم عن الإجراءات البريطانية المضادة للثورة إضعاف المجتمع الفلسطيني، فقد قتل ما يقرب من 5 آلاف فلسطيني وجرح ما يزيد عن 15 ألفاً، وتعرض للسجن ما يقرب من ستة آلاف. 

الغدر البريطاني الأخير
يقول المؤرخ الفلسطيني المرموق رشيد الخالدي، وهو في ذلك محق حسب رأيي، إن فلسطين لم تُفقد في أواخر الأربعينيات كما هو شائع بين الناس، وإنما في أواخر الثلاثينيات. والسبب الرئيسي الذي يقدمه لإثبات وجهة النظر تلك هو الأضرار المدمرة التي ألحقتها بريطانيا بالمجتمع الفلسطيني وقواته شبه العسكرية أثناء الثورة العربية. يبسط الخالدي الحديث في هذا الشأن في الورقة التي نشرت له في كتاب حررته بالاشتراك مع يوجين روغان ونشر تحت عنوان "حرب فلسطين: إعادة كتابة تاريخ 1948". 

وقع الغدر الأخير بالفلسطينيين بينما كان النضال من أجل فلسطين يدخل مرحلة حرجة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت تدهورت علاقة بريطانيا بمحاسيبها الصهاينة، وراح المتطرفون منهم يشنون حملة إرهاب الهدف منها إخراج القوات البريطانية من البلد. وكان أشهر فصل في هذه الحملة العنيفة هو الهجوم الذي شنته عصابة الإرغون، أو ما كان يسمى المنظمة الوطنية العسكرية، في شهر يوليو / تموز من عام 1946 على فندق الملك داود في القدس حيث كان يقع المقر الرئيسي للإدارة البريطانية. 

بعد هذا الهجوم وغيره من الهجمات، قررت الحكومة البريطانية المغلوبة على أمرها، وبشكل أحادي، التخلي عن الانتداب. وفي التاسع والعشرين من نوفمبر / تشرين الثاني من عام 1947، أصدرت الأمم المتحدة قراراً يقضي بتقسيم فلسطين الانتداب إلى دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية. 
قبل اليهود بالتقسيم بينما رفضه العرب. وبالتالي رفضت بريطانيا تنفيذ خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة بحجة أنها لم تحظ بتأييد الطرفين. 

ولكن، كان هناك سبب آخر، ألا وهو العداء للقضية الوطنية الفلسطينية. كانت الحركة الوطنية الفلسطينية يقودها الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، الذي اختلف مع البريطانيين وترك البلد أثناء الثورة العربية. 

كان البريطانيون يرون أن الدولة الفلسطينية ستكون دولة المفتي، ولذلك كان العداء للقيادة الفلسطينية وللدولة الفلسطينية عاملاً ثابتاً وحاسماً في صياغة السياسة الخارجية البريطانية في الفترة من 1947 إلى 1949. 

انتهى الانتداب في الرابع عشر من مايو / أيار من عام 1948، وكان أسلوب بريطانيا للخروج من المأزق يتمثل في تشجيع عميلها عاهل الأردن، الملك عبد الله، على غزو الضفة الغربية التي جعلتها الأمم المتحدة من نصيب الدولة العربية. ولكن عند تلك اللحظة كان الملك المراوغ قد توصل إلى اتفاق ضمني مع الوكالة اليهودية على تقسيم فلسطين بينهما على حساب الفلسطينيين. 

تقضي الاتفاقية الضمنية بأن يقيم اليهود دولة يهودية في الجزء الخاص بهم من فلسطين بينما يسيطر الملك عبد الله على الجزء العربي، وبأن الطرفين سيبرمان اتفاق سلام فيما بينهما بعد أن تهدأ العاصفة. 

حياد زائف
خلال الحرب الأهلية التي نشبت في فلسطين قبيل الرابع عشر من مايو / أيار، وقفت بريطانيا على الهامش، متنازلة بذلك عن مسؤوليتها بالحفاظ على القانون والنظام. وفي نهاية المطاف، تمكن الصهاينة بفضل حياد بريطانيا الزائف من الدفع بقواتهم الصهيونية شبه العسكرية، التي هاجمت الفلسطينيين وكثفت عمليات التطهير العرقي ضدهم في أرجاء البلد. 

حصلت أكبر موجة من اللاجئين الفلسطينيين تحت سمع وبصر البريطانيين. ما فعلته بريطانيا هو أنها تخلت فعلياً عن السكان الأصليين من الفلسطينيين وتركتهم فريسة للصهاينة المستعمرين الاستيطانيين. باختصار، لقد قامت بريطانيا بكل فعالية بتوفير الشروط التي تخدم أغراضها الإمبريالية الخاصة بها، والتي تمخضت عنها النكبة الفلسطينية. خيط متواصل من الخداع والإفك والاحتيال يربط السياسة الخارجية البريطانية من بداية الانتداب إلى النكبة. 


يشكل الأسلوب الذي انتهى به الانتداب وصمة عار في سجل بريطانيا كقوة عظمى أنيطت بها مسؤولية إدارة فلسطين. يثبت ذلك أن بريطانيا لم تكن تعبأ بمصير الناس الذي كان من المفروض أن توفر لهم الحماية وأن تعدهم ليتمكنوا من حكم أنفسهم بأنفسهم. 

عندما جد الجد، وازداد الوضع صعوبة، تخلت القوة المكلفة بالانتداب وفرت. لم يكن هناك نقل منظم للسلطة إلى جهة محلية. وأخيراً، وقع مبدأ "الثقة المقدسة بالحضارة" تحت طائلة التقويض والخيانة، بشكل غير قابل للإصلاح وبأسلوب لا يغتفر. 

تحول حلم اللورد بالفور إلى كابوس فلسطيني. ليست النكبة حدثاً منفصلاً في الوعي الجمعي للفلسطينيين، وإنما هي سلسلة من العمليات الإجرائية التاريخية المستمرة. يزيد عدد اللاجئين المسجلين اليوم لدى وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) عن 5.9 مليون نسمة. 

صاغت حنان عشراوي عبارة "النكبة المستمرة" للتعبير عن التجربة الفلسطينية المستمرة مع العنف والتشريد على أيدي الاستعمار الصهيوني الاستيطاني. وكانت عشراوي قد أشارت في كلمة ألقتها أمام مؤتمر الأمم المتحدة عام 2001 إلى الشعب الفلسطيني باعتباره "شعب في الأسر ورهينة لنكبة مستمرة، وضحية لحالة دائمة من الاستعمار والأبارتايد والعنصرية والقهر". 

التناقض في السياسة البريطانية
والأدهى والأمر أنه لم يحصل حتى الآن أن تقدمت حكومة بريطانية واحدة بالاعتذار عن الدور الذي لعبته بريطانيا في إخصاء فلسطين التاريخية. بل إن رؤساء الوزراء الخمسة الأخيرين، بدءاً من دافيد كاميرون، كلهم داعمون بشدة لإسرائيل. 

في عام 2017، وبمناسبة الذكرى المئوية الأولى لإعلان بلفور، قالت رئيسة الوزراء حينذاك، تيريزا ماي إن الإعلان كان "واحداً من أهم الرسائل في التاريخ. فقد أثبت الدور الحيوي الذي لعبته بريطانيا في إقامة وطن للشعب اليهودي. وهي ذكرى سنوية سوف نحتفي بها بكل فخر". لم تأت على ذكر أي شيء يخص الضحايا الفلسطينيين لهذه الرسالة المهمة. 

في كتابه الذي صدر في عام 2014 تحت عنوان "عامل تشيرشيل"، وصف بوريس جونسون إعلان بلفور بأنه "شاذ" وبأنه "وثيقة متهافتة بشكل مأساوي" وبأنه "قطعة بديعة من بلاوي وزارة الخارجية". ولكنه في عام 2015، وبينما كان يقوم بزيارة إلى إسرائيل كعمدة لندن، أشاد بإعلان بلفور معتبراً أنه "شيء عظيم". 

وفي أكتوبر من عام 2017، وبصفته وزيراً للخارجية، فتح بوريس جونسون نقاشاً في مجلس العموم حول إعلان بلفور، وأعاد التأكيد على افتخار بريطانيا بالدور الذي لعبته في إقامة دولة يهودية في فلسطين. وعلى الرغم من أن أغلبية الأعضاء كانوا يؤيدون الاعتراف بفلسطين كدولة، إلا أنه رفض ذلك وقال إن الوقت لم يحن بعد. 

كشف ذلك عن تناقض أساسي في قلب السياسة البريطانية، ألا وهو الترويج لحل الدولتين، ولكن اقتصار الاعتراف على واحدة منهما فقط. 

ثم ترك الأمر لخليفة جونسون، ليز تراس، حتى تثبت عمق اللامبالاة التي يتعامل بها السياسيون من حزب المحافظين مع القضية الفلسطينية والمدى الذي لديهم الاستعداد للمضي فيه لاسترضاء إسرائيل وأنصارها في هذا البلد. بل وأثناء حملتها الانتخابية كزعيمة لحزب المحافظين، طلعت بفكرة نقل السفارة البريطانية من تل أبيب إلى القدس. 

لحسن الحظ أن تراس، وطوال فترة رئاستها للحكومة التي لم تزد عن 49 يوماً، لم تتمكن من عمل شيء يذكر بخصوص الفكرة البلهاء التي طرحتها. 

مقتضى السياسة الخارجية البريطانية الحالية هو عدم الاعتذار عن النكبة، إنها سياسة صهيونية بلا خجل ولا وجل. أصدرت الحكومة ورقة سياسية بتاريخ 21 مارس / آذار 2023 تحت عنوان "خريطة طريق لعام 2030 حول العلاقات الثنائية بين بريطانيا وإسرائيل". تغطي الورقة التجارة والتعاون في عدد كبير من المجالات. 

ولكنها تشتمل أيضاً على تعهد بريطاني بمعارضة إحالة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى محكمة العدل الدولية، ومعارضة حركة المقاطعة الدولية بي دي إس، التي تطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والعمل نحو تقليص مساءلة إسرائيل داخل الأمم المتحدة. 

باختصار، تمنح ورقة السياسة هذه إسرائيل طيفاً كاملاً من الحصانة من المساءلة والمحاسبة على أفعالها غير المشروعة، وعلى ما ترتكبه بالفعل من جرائم ضد الشعب الفلسطيني. وبهذا فهي انعكاس حقيقي للانحياز لصالح الصهيونية طوال ما يزيد على مئة عام من السياسة الخارجية البريطانية.