كتاب عربي 21

وقع الخاطر على الخاطر

كشف إعلام الإسرائيلي هوية الجندي المصري وأن اسمه محمد صلاح- فيسبوك
خافرت ساعات طويلة أمام شاشة الجزيرة في يوم من أيام العرب لنسمِه "يوم الحدود"، يوم خبر مقتل الثلاثة إسرائيليين، أو الاثنين زائد واحد في خبر ثان. والمصريون أصحاب ظرف أصيل، ولعلهم لو شاؤوا لأطلقوا على الحادث اسما طريفا مثل؛ فتى الحدود، أو الجدع ابن الجدع، أو اللعّيب بعد أن كشف اسمه، وإنه من عين شمس.

وكان خبر فتى الحدود، قد جعل دولة "الجاني" ودولة القتلى في حالة صدمة، وسبب صدمة إسرائيل معروفة لحزنها على قتلاها المتحصنين في دولة اللبن والعسل التي حوّلها جندي ببندقية قديمة إلى دولة الدموع والوجل. أما سبب صدمة مصر فأعجب من العجب في شرح لامية العرب، ذلك لأن رئيسها عجز عن "أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبا إلى جنب المواطن الإسرائيلي"، ولأن جنديا قتل ثلاثة جنود مسلحين بأذكى الأسلحة، ولم نعلم إن كانوا ماتوا بسلاحه القديم أم أنهم قضوا من الذعر والصدمة.

وكان واضحا أن الإعلام الإسرائيلي قسّط الخبر لتخفيف الصدمة، وكانت التعليقات المصرية على الجزيرة متشابهة مثل التوائم السيامية، وكان المعلقون، ومنهم لواء جيش وموظف سابق في الخارجية، مذهولين دائخين، كأنهم خرجوا من توّهم من غرزة أو بوظة، أو نقطة شرطة، فهم يتأتئون ويفأفئون، وهم يحاولون العثور على أعذار لـ"الجريمة" التي ارتكبها الجندي المصري، تَخَرُّصاً وَأَحاديث مُلَفَّقَةً "لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ"، جندي حطم سياج بارليف وتجاوز الخط الأحمر. كان حال المعلقين حال الحرامي الصائح في النقطة: بريء والله يا سعادة البيه.

تقول الرواية الرسمية المصرية إن الجندي الذي كان مجهولا حتى ساعة كتابة هذا المقال ركب دماغه، وسلاحه خردة، وطارَد مهربي مخدرات، يا قاتل يا مقتول، وقاتلهم، فقنص ثلاثة إسرائيليين كانوا يمشون على الكورنيش، ونحمد الله أنه لم يُتهم حتى الآن بالاشتراك في التهريب. إن الرواية المصرية المخالفة للرواية الإسرائيلية تضمر بطولة لم تُحسن إخفاءها، وهذا هو مناط المأزق الرسمي الذي يماطل في قول الحقيقة. بخل المعلقون في وصفه بالشهيد، جحدوا به، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا، فانظر كيف كانت عاقبة الكاذبين.

وكان أحد المفتين المصريين قد أفتى أن الراقصة إن سقطت وهي ترقص فهي شهيدة، لأنها تأكل من لقمتها من عرق جبينها وخصرها، لكن يبدو أن الجندي لم يبلغ مبلغ الراقصة، حتى بخلوا عليه بالشهادة. وقد دغدغ المذيع في الجزيرة أحد الضيوف عن سبب بخل الدولة الرسمية بوصف القتيل المصري بالشهيد فأعجزه، وكاد أن يذيقه وبال أمره، لكنه رفق بضيفه الحزين على قتل الثلاثة المساكين، فعفى عنه، والعفو عند المقدرة.

ومن المظنون، أن الرواية المصرية ستتطور في مصنع الروايات الإعلامية والسياسية، بعد الاستعانة ببعض المؤلفين المعروفين أمثال معدّي مسلسل "سره الباتع" المأخوذ عن قصة يوسف إدريس، فمسخوها مسخا. ظهر عمرو أديب بعد يومين برأي يكشف حال النظام المصري، بعد أن صار الجندي أسطورة عربية ذكّرتْ بسليمان الخاطر ومجده الغابر، فقال بأن الحنكة السياسية تقتضي توزيع القسمة الضيزى بين الدولة والشعب فيفتي فيفتي، وقاسمنا إنه لمن الناصحين، ورأى أن تكون للشعب رؤيته إلى القتيل المصري شهيدا، وأن تراه الدولة جانيا أو قتيلا.

وكان المتحدث العسكري المصري قد عزّى بالمتوفين، من غير أن يعزّي شعبه بشهيده، الشهيد هو من يقاتل الإرهاب وليس تجار المخدرات الأبرار.

تناسخت روح الجندي المجهول على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو المطرب الشعبي أحمد حمادة مرّة، وإسلام محمد معتز رشاد مرّة، والممثل محمد رمضان مرّة.. جندي مجهول، معلوم، تسلل مسافة خمسة كيلومترات من غير أجنحة، وكمَنَ، وقتل ثلاثة جنود مدججين بالسلاح.

أوقع الجندي فرعون وهامان وجنودهما في حرج ومرج، والرواية المصرية، رواية البانجو وخرق السلك الشائك، ستتغير كما تغيرت رواية قتل الخاشقجي. ذكّر العرب والعجم بسليمان الخاطر، فأعيد إلى الخواطر، ولولا أن شريك الواقعة إسرائيلي لما عرفنا اسم سليمان خاطر الثاني.

عزّى المتحدث العسكري المصري أسر المتوفين الثلاثة، وصورت الواقعة كأنها قتل خطأ في شجار عابر، قتلٌ عن غير عمد، ستدفع مصر ديّة القتلى الثلاثة، قد يصوم الشعب الصائم ستين يوما أو بضع سنين، من غير سحور، فالصيام مفيد لتخسيس الوزن، وبناء الجسور، وتعبيد الطرق والشعب.

وجب علينا شكر المتحدث العسكري المصري أنه لم يصف قتلى "جيش الدفاع" بالشهداء، وتشكر الدولة المصرية أنها لم تنكّس الأعلام المصرية حزنا على قتلى جيش الدفاع -والوصف لأحد المعلقين الضيوف- غير أن وقع الخاطر على الخاطر أهاج الذكريات، وزاد العرب وجدا على وجد. وذكّرت كاتب السطور بأسطورة السلطان حامد التي أحسن يوسف إدريس كتابتها، فكل الشهداء الذين تذكّرهم نشطاء التواصل الاجتماعي وقعا للخاطر على الخاطر، والمجد الغابر على المجد الحاضر، هم أنجال السلطان حامد، في أسمائهم جميعا حمد وعزٌّ ورشاد، يصنعون أطيب أنواع الكعك المسلّح، وهم حامدون محمودون في الدنيا والآخرة.

حاز الإعلام الإسرائيلي قصب سبق إعلان اسم الجندي بعد ثلاثة أيام، إذا صحت الرواية ولم يكن "اللهو الخفي" وتنظيم سيناء، فإنه أخسر المخابرات المصرية فرصة ذهبية، في بيان قدرتها البوليسية والجنائية، وكشف غوامض الواقعة من جداول الجنود، في لحظة وقوع الواقعة.

ندعو للشهيد، الذي خرج عن النص -إذا صحت الروايتان المصرية والإسرائيلية- بدفن كريم في عين "الشمس"، وجنازة في النهار، ولأهله السلامة من كل كيد وشرّ.

twitter.com/OmarImaromar