كتاب عربي 21

نخشى على غزة من الغدر

إكس
صمدت غزة بشجاعة أسطورية ومنحتنا من الطمأنينة على قدرتها ما به أيقنّا من نصرها، وكتبنا أنها أحدثت حدثا من حوادث الدهر حيث تتغير مصائر قوم كثير بحدث صغير في ظاهره عميق في تأثيره.

لكننا ونحن نشارك الغزاويين صمودهم من بعيد تذكرنا تلك السيدة في تلك القرية التي تعرضت لغزو خارجي فاغتصب الغزاة كل نساء القرية إلا واحدة دافعت عن شرفها فقتلت الغازي المغتصب، فلما أن انجلت المعركة وعرفت النساء المغتصبات عن الناجية منهن قتلنها لكي لا يتذكرن عار الخضوع والاستسلام للمغتصبين. في هذه اللحظة في غزة نرى تلك السيدة الشجاعة ونخشى على غزة من جاراتها. سنكتب في هذا الخوف ونحن على يقين من نباهة المقاومة.

نصر لا شك فيه

مخذّلون بجوارنا لم ينهضوا معنا حتى لمظاهرة صغيرة يقولون نصر بكلفة عالية كنصر الإمبراطور "pyrrhus".. حيث الكلفة في الأرواح تفوق قيمة الأرض المحررة. لا قيمة للأرواح عند هؤلاء المخذلين الذين نعرف مرام قولهم من التظاهر بالشفقة، فقيمة الأرواح في حرية الأحياء الباقين وقد بُذل ثمن الحرية وكان أصحاب المعركة أنفسهم مستعدين لدفعه لأنهم يعطون للإنسان قيمة لا يعرفها المخذلون العرب. هؤلاء المخذلون هم من نخشاهم على غزة.

حتى الساعة الأخيرة من تسليم الأسرى خرجت المقاومة خروجا استعراضيا منتصرا في قلب غزة، لتثبت أن العدو لم يسيطر على المكان ولم يخرج منه مقاومته بكل أسلحتها وقدراتها التنظيمية وجمهورها الذي يساندها بالتكبير ويحمي أطرافها بأجساده. ونحن نتابع العدو يقبل بشروط المقاومة ونتابع في ذات الوقت صمود الشعب الغزاوي من حول المقاتل، وهو ما نحسبه في وسائل النصر، ولكن ناره أيضا سبب في غيض المخذلين من حول غزة.

ماذا يخشى المخذلون؟

خشية المخذلين العرب من نصر غزة وفي مقدمتهم نظام العسكر في مصر هو نفس خوفهم من تجربة بناء الديمقراطية في الوطن العربي. الديمقراطية في الأقطار والنصر في معركة التحرير يعنيان أولا ظهور الفرد العربي الحر المالك لمصيره ضد عدوه خارجي أو ضد عدو داخلي. هذا العربي المنتصر يتجه بالقوة (وقد فعل ولم يسمح له باستكمال عمله) إلى تحقيق حريته الاقتصادية والسياسية إزاء حالة التبعية والهوان، كما يحقق المقاتل حريته ضد العدو المسلح في غزة وباقي الأرض المحتلة.

نصر غزة وتحررها يتكامل مع طموحات الفرد العربي إلى بناء حريته في قطرة وبناء ديمقراطية سياسية تضمن تلك الحرية. وهذا ما يخشاه النظام العربي الانقلابي، ولذلك فان الرفد النفسي الذي قدمه صمود غزة للمواطن العربي المقهور يخيف هذا النظام في كل قُطر.

يرتبك المخذّل العربي من صمود غزة فيعمل على إفراغه من محتواه والاستمرار بالكيد المستمر له ليحوله إلى حركة بلا معنى، ثم يقلب معناه إلى معركة انتحارية فاشلة ويقول للغزاوي: "انظر لقد تسبب في قتل أهلك بلا معنى ولا فائدة، فلست أهلا للقيادة إذن ولذلك وجبت محاسبتك على دم أهلك وإقصاؤك من المكان". هذا جوهر قول السيسي بدولة منزوعة السلاح بعد أن فشل في تهجير الغزاويين إلى صحراء النقب، وقد خرج بهذا القول دون أن يسأله أحد عن رأيه ولكننا نراه مرعوبا من الاحتمال الغزاوي في بلاده.

المواطن العربي الحر خطر على نظام بلاده وقد زودته غزة المحاصرة بشحنة أمل بعد أن أحبطته الردة على الربيع العربي. قليلة هي التحليلات التي ذهبت إلى هذا الربط المنطقي بين حرية في غزة وحرية في مصر، وهذا لعمري من الإحباط الذي سببته الردة، لكن تأخر الربط، والتحرك الميداني على أساسه لا بد أن يظهر قريبا.

إعادة التفكير على ضوء غزة 2023

كان هناك تقليد نضالي في ما عرفنا من اجتماعات الأحزاب والنقابات في تونس (كنموذج من الساحات السياسية العربية)، وهو وضع بند ثابت في كل عريضة تصدر عن اجتماع بقطع النظر عن حجمه، وهو البند المتعلق بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وتحرير أرضه من البحر إلى النهر. وكنا نسميه بند رفع العتب ونسخر من كاتبه ونشبهه بالبسملة عند شرب الخمر، وهو تقليد تونسي أيضا.

الآن بعد غزة 2023 سيصدر الفلسطيني عرائض يتضامن فيها مع الشعوب العربية غير المحررة. لقد تغيرت معطيات كثيرة على الساحات العربية ووجب البناء عليها، أو لنقل بتواضع ليت يتم البناء عليها؛ أهمها في ما نرى أن المكون الإسلامي في الساحات السياسية مكون أصيل وغير هجين أو مستورد وتعبيرته الأشد وضوحا هي حركة حماس. ونرى أن أول من عليه الانطلاق من هذا المعطى هو المكوّن الإسلامي نفسه، حيث عليه التوقف عن تسول وجوده والتذلل لمكونات الساحة من يسار وقوميين ممن لم نجد فرقا في مواقفهم من غزة عن بقية المخذلين في الساحات العربية، وفيهم كثير يقف في الظاهر مع المقاومة وفي الباطن ينصر عليها السيسي وأشباه السيسي وينتظر دورهم التدميري.

نرى حماس قد أنهت وضع الإسلامي الخائف المرعوب ودعته إلى الخروج من حفرة الموت الذي دُفع إليها منذ رغب في المشاركة في السياسة.

ونرى أن من ناصر غزة فعلا لا قولا من غير الإسلاميين ملزم بإعادة النظر في موقفه من الإسلاميين حيثما وجدهم، فلا منطق ولا وجاهة في أن تناصر حماس الإسلامية وهي تقاتل (وتفرح بنصرها) ثم تكيد للإخوان المسلمين وفروعهم أو أشباههم، وهذا يبدأ بالتخلي عن تلك الجُمل السخيفة التي نسمعها في الإعلام التونسي من أفواه يسارية لا يزال بها نفس استئصالي بأن حماس شيء والإخوان شيء ثان.

أعداء المقاومة في فلسطين هم نفس أعداء الديمقراطية في الأقطار العربية، وأنصار المقاومة نراهم على جبهة واحدة في كل قُطر، فمن لم يرتب حركته على هذا النور الغزاوي وإن نظر بعين كبيرة فهو أعمى البصيرة ولا يعول عليه، فهو مخذل ويتربص للغدر.