كتاب عربي 21

حكومة الخوف

1300x600
مائة يوم كاملة لإعلان حكومة والطيبون جدا سيمنحونها مائة يوم أخرى لتسفر عن وجهها ليروا حسنها المثير للسعادة. لكن المنتظر أن تكون حكومة شمطاء شاب وليدها. وعلى كل فللناس فيما يعشقون مذاهب. وقديما قيل من العشق ما قتل. لكن الغزل بالحكومة كيفما كان وجهها لن يحجب عنا أنها حكومة الخوف والارتجاف العظيم الممهد للسقوط النهائي.

حكومة الخوف من الحرية

كسبت الثورة في تونس  مساحة واسعة من الحرية في كل المجالات فيها غث كثير وفيها سمين أكثر. تكلم رويبضات الإعلام بما يسوء الثورة لكن أنصار الثورة تحركوا بحرية في حدود ما أتيح لهم من وسائل لم يلوثها المال القذر وأفلحوا في صيانة مربع الحرية وتطويره. لكن الحكومة التي تتشكل الآن في كواليس الرعب مرعوبة من مساحة الحرية وتعرف بحكم ماضي رجالتها في الدكتاتورية أنها لن تحتمل  كل هذه الحرية، لذلك بدأت في تقليم أظافر الشباب بطريقتها القديمة المتجددة: تلفيق القضايا واستعمال جهاز القضاء الفاسد لوضع الأصوات الحرة في السجون بدعاوى متهالكة. 

بل بدأت بمحاكمة عسكرية لشاب مدني مدون كان كل ذنبه أن نشر معلومات على شبكة التواصل الاجتماعي فايس بوك لم يتم دحضها أبدا. تتعلق هذه المعلومات بالمؤسسة العسكرية وفسادها المزمن. ويجري الآن الاستعداد حثيثا لغلق قناة  تلفزية خاصة متهمة بعدم  التزام شروط العمل  في حين أنها منذ سنتين تكافح من أجل الترخيص لها طبقا لكراس شروط مجحف. ويتبين أن الذراع الرقابي للإعلام منحاز ضدها لأسباب سياسية وإيديولوجية مما يهدد بمنع كل إعلام  لا يسير على الخط السياسي للحكومة القادمة ورئيسها العجوز الذي لم يحكم أبدا في أجواء حرية.

أجواء من الريبة  تسيطر الآن على المشهد الإعلامي  والخوف يستشري من الرقابة على الانترنت وخاصة إذا تمت المصادقة على قانون الإرهاب المثير للجدل والذي سيسمح بدعوى أمنية برقابة بلا حدود على ما يروج في الشبكة. وعلى مختلف مواقع النشر المتحررة منذ الثورة. أما قانون الجمعيات فقد تم تلغيمه بإجراءات غير قانونية  تؤدي الآن إلى  منع المجتمع المدني من التنظم إلا بشروط رقابية كاسرة ولكن بدعوى منع تمويل الإرهاب الذي لم يجد الناس رابطا وبينه وبين أي من الجمعيات التي تم إغلاقها أو التي منعت من الترخيص. هذه الحكومة ونظامها المتخلف تعلن عداءها للحرية بشكل سافر وذريعة مقاومة الإرهاب التي استعملها بن علي جاهزة دوما. 

حكومة الخوف من العدالة

أفلحت المرحلة الانتقالية في تأسيس هيئة العدالة الانتقالية كهيئة دستورية مهمتها إعادة الحق إلى نصابه ومحاسبة المجرمين في حق الناس و جزء كبير من عمل الهيئة سيكون رمزيا  اعتباريا لأشخاص مست الدولة من حقوقهم المادية والمعنوية لأن عددا كبيرا منهم توفي ولم يعد في حاجة إلى تعويض مادي لكن رد الاعتبار الرمزي يظل جزءا من العدالة والإنصاف. وقد ظهرت منذ ما قبل استلام الحكام الجدد (العائدين) للسلطة بوادر امتهان الهيئة والدستور الذي أفرزها. بما يعني قطع الطريق على الهيئة المنتخبة لكيلا تنجو أي من أعمالها القانونية والأخلاقية. بما يفتح صراعا ضد العدالة المنتظرة من الثورة . هذا فضلا عن استعمال جزء من القضاء الفاسد ضد استحقاقات الثورة وتوظيف القضاء الإداري لمصالح حزبية وانتخابية.

لقد كان إفساد القضاء إحدى أدوات سلطة بن علي ونرى أن الأمر جار بعد لمواصلة عدالة حولاء بنفس الأشخاص وبنفس الأجهزة. ولعل إحدى الأدلة الساطعة على ذلك اختيار قاض فاسد لوزارة الداخلية  في حكومة الصيد، فرغم انتفاض نقابة القضاء وجمعية القضاة والمرصد الوطني لاستقلال القضاء (منظمة غير حكومية ضده) وكشف تاريخه، إلا أنه مستقر بعد في التشكيل الحكومي الجديد . بما يعني أن الأجهزة  الجديدة ليست إلا إعادة تدوير لأجهزة بن علي وتغيير مواقعها. في نوع من الكوتشينق المتذاكي على شعب وصل حد الملل الأقصى من التلاعب بعقله وعواطفه باسم الإرهاب مرة وباسم هيبة الدولة أخرى.

حكومة الخوف من الشعب

الديمقراطيون لا يخافون من شعوبهم. هذه خلاصة بسيطة لتجربة إنسانية نرى عليها أدلة في كل مكان ديمقراطي. لكن التردد والمناورة والتكاذب العلني  هو سمة تتجلي كل يوم في ما نرى من استعداد هذه الحكومة ورئيسها. فالوعود الانتخابية بدأت تسقط قبل بدء العمل. ويبدو أن الصراع  بين كتل الحزب الحاكم حول غنائم السلطة سبق عمل الحكومة. الشعور السائد عند غالبية واسعة من الناس أن هناك أمورا تدبر بليل الحكومة ولا تخرج للناس إلا تسريبات أو إشاعات تزيد الأمور غموضا. 

فمن تدخلات خارجية  واعتراض على أطراف بعينها و تدخلات أخرى ترهن الاستثمار الاستقرار يعيش الشارع حالة من البهتة الفاقدة للحس. بما يعني أن مصارحة الشعب بما يجري ليس على جدول أعمال هذه المرحلة ولا حكومتها. إنه الخوف من الشارع والرغبة في حكمه بجهله لا بمصارحته. وهذا لعمري إحدى علامات ضعف الحكم. لأن بديل الخوف من الشارع هو  التسلط عليه عندما يعي ما يجري. ولأن وعي الشارع ليس ميتا بعد فإن انتفاضه ليس مستبعدا، ولكي يقطع هذا الاحتمال سيتم الهروب إلى الأمام بالقمع خاصة عندما يبدأ المساس بخبز أطفاله كما بينا في مقال سابق
(https://arabi21.com/story). 

الخوف ينتج نفسه باطراد

خوف من الشارع  ناتج عن خوف من التغيير الفعلي والشجاع ناتج عن خوف من كسر الولاءات الخارجية ينتج دوامة خوف متعاظم تولد بدورها المزيد من الخوف داخل السلطة المرتبكة. والتي لن يبقى لها من ملجأ إلا الدفع نحو القمع وبوسائل القمع وهي جاهزة بعد والقمع بعد ثورة يولد المزيد، والنص يكتب الآن على إيقاع الثورة المصرية العائدة إلى شارعها، فليس أقوى مما فعلت المؤسسة العسكرية المصرية ضد شعبها لما أحرقته حيا في مخيمات الاعتصام. لكنه ينتفض بعد رغم عسر العودة.

لقد أعيد تسليح العناصر الأمنية خارج وقت العمل والسعي جار حثيثا لإعادة إصدار قانون الإرهاب دون تحديده ضمنا بما يطلق يد الأمنيين في الناس دون رادع خاصة وأن نقاباتهم  تزداد قوة وتمترسا داخل الأجهزة و تتمرد على قيادتها التراتبية بما يحولها إلى ميليشيا منفلتة تعمل خارج القانون. يجري هذا فيما تشكيل الحكومة يتأخر عمدا لإنهاء ترتيبات أمنية تسمح لها بسرعة المرور إلى التخويف الأقصى والذي إذا لم يثبت جدواه تمر إلى وضع السوط في ظهور الخلق. فتكتمل دائرة عودة نظام القمع والاستبداد. وساعاتها سيكون خوف الشارع في مواجهة خوف السلطة.