مقالات مختارة

الأردن: سجال "طائفي" وسط تواطؤ رسمي

1300x600
كتب بسام البدارين: لا أعتقد ولعشرات الأسباب بأن الحالة الاجتماعية الأردنية بصدد "فتنة" أو خلاف طائفي كما توحي الكثير من التحذيرات والتعليقات الخائفة على المجتمع واستقراره.

هذه المخاوف برزت بعد ظهور تعليقات غامضة على وسائط التواصل الإجتماعي تتقدم باتهامات "مضحكة" من إحدى الفضائيات لأنها تجرأت وبثت برنامجا سخيفا ينطوي على إيحاءات جنسية.

وزادت بعدما تقدم أحد اعضاء البرلمان من الأشقاء المسيحيين بدعابة من وزن "لا لزوم له" تشير للقائد الفذ خالد بن الوليد حاول البعض اصطيادها والمتاجرة بها مرة بعنوان السهر على مصلحة الإسلام والمسلمين ومرة بإطار إظهار الوقار الوطني والحرص على مصالح استقرار الفئات الإجتماعية.

المتاجرة بمثل هذه الوقائع الصغيرة جدا قياسا بألق المجتمع الأردني ووحدة عشائره وقبائله وبنيته شملت الكثيرين من إعلاميين إنتهازيين اضافة لباحثين عن الشهرة والبروز أو مزايدين لا عمل حقيقي لهم يدعي بعضهم بأنه يمثل الإسلام فجأة فيما يدعي البعض الآخر انه يمثل المسيحيين الشرفاء.

شخصيا أتفق مع الرأي القائل بأن ما يثار من سجال "طائفي" في بلد كالأردن اليوم ليس أكثر من موجة عابرة وصغيرة لا مكان لها في قلوب الناس يركبها بعض العاطلين عن العمل الوطني والسياسي أو المغرقون في التسلية من الذين يكتشفون فجأة انهم ملكيون أكثر من الملك او وطنيون أكثر من الوطن أو حتى مسلمون أكثر من الإسلام نفسه ومسيحيون في بعض الأحيان أكثر من المسيح.

أعرف بصفة مباشرة الكثير من المعلقين الذين ساهموا في "تضخيم" قصتي محطة رؤية المتهمة بترويج الإنحلال والتبشير والنائب المسيحي الذي أطلق دعابة خالد بن الوليد وبصورة طبعا فيها الكثير من "السماجة" في غير وقتها.

هؤلاء تحديدا الذين أعرفهم لم أشاهد ايا منهم في مسجد أو كنيسة وبعضهم ملحدون تماما في مجالسهم الخاصة ولا تظهر عليهم علامات الوقار الديني إلا في سياقات مماثلة حيث الادعاء ممكن ولا توجد كلف تضمنها التشريعات والقوانين للعبث بمسارات المجتمع واستقراره.

بصراحة عدد كبير من الذين رفعوا سيوفهم في تحريض متواصل على النائب الدكتور رائد حجازين يخالفون يوميا تعاليم الإسلام وفي كل الإتجاهات خلافا للمتاجرين منهم بالقصة من أصلها وعدد أكبر من الذين تسابقوا في المطالبة بشطب محطة رؤيا الفضائية وإلغاء ترخيصها وإطفاء شاشتها لا تشير سجلاتهم اليومية لأي إنتصار حقيقي للإسلام والمسلمين.

بكل الأحوال ما نشرته رؤية من إيحاءات جنسية ليس أكثر من برنامج "ساذج" يمكن الاستغناء عنه ولا اعتقد إطلاقا بأن من يملك القناة وهو رجل أعمال مسيحي يلعب دور الفلتر ويراقب ما تعرضه شاشته بكفاءة مع الملاحظات المتعددة التي يمكن طرحها في تقييم تجربة التلفزيون الخاص بالأردن عموما.

وما ذكره النائب المشار إليه عن خالد بن الوليد مغالطة تاريخية بكل الأحوال ولا مبرر له ويمكن تصنيفه تحت بند العبث بدون معنى لكن الرجل إعتذر وأعلن ان ما نشر بإسمه لا يخصه وإن كان لا يمثل المسيحيين الأردنيين إطلاقا كما لا يمثل من ينتقدون المسيحيين ويحاولون الإساءة لهم المسلمين الأردنيين.

أتفق مع الرأي القائل بأن بذور الفتنة والانقسام منتشرة في رقعة ضيقة جدا في مجتمع الأردن الكريم الشريف وهي رقعة لا تزيد عن حيز إلكتروني هنا او هناك وعن إحتراف بعض المثقفين والنخب لتوتير وتأزيم المجتمع بين الحين والآخر.

الدولة الأردنية لم تقتنع بعد بجدوى "تجريم" الإساءة للوحدة الوطنية وللتعايش الديني وتجريم من يبث الكراهية وممارسات بعض المسلمين اليوم أشد وطأة وعمقا في الإساءة للإسلام أكثر من اي اتباع دين آخر او حتى من كل خصوم الإسلام والمسلمين.

لا أرى عدوا حقيقيا وجذريا يسيء بعمق لمستقبل الإسلام والمسلمين بقدر ابو عزرائيل الشيعي صاحب سيخ الشاورما البشري الشهير أو بقدر من يقطعون الرؤوس بلا محاكمة شرعية في العراق وسوريا أو يعملون على تحرير "بلاد الكفر" التي آوتهم وأطعمتهم ووفرت الحماية لهم من أنظمة مسلمة قمعية متعسفة.

لا مجال للمقارنة إطلاقا بين تلك الإساءة المزعجة التي تظهر هنا او هناك على لسان أو بقلم غير مسلم او اجنبي وبين تلك "الندوب" التي يزرعها أدعياء تمثيل الله والسماء في جسد هذه الأمة من جماعة "إقامة سلطان الله في الأرض".

تصرفات بعض المتطرفين ومدعي الجهاد من المسلمين المتشددين أخطر بمليون مرة من كل الخطط والمشاريع الأجنبية التي تدبر ليل نهار ضد الإسلام والمسلمين..هذا مستقر في وجداني شخصيا.

نعود للحالة الأردنية لنقول: نتفق مع الرأي القائل بأن المجتمع الأردني ليس في خطر فالتحصين الاجتماعي مع الخبرة المتراكمة منذ عقود بين الناس تتكفل بحماية بنية المجتمع من الطفيليين او الانتهازيين الذين يحاولون اللعب بورقة الإنقسام.

أرى ان "صلابة" بنية المجتمع أقوى بكثير من هشاشة الكثير من المؤسسات الرسمية وأن "العبث" في بعض المساحات التي تعزز الإنقسام او تثيره في بعض أشكاله عبث "رسمي" أو عبث مراهق غير مؤثر جذريا ينمو ويترعرع بتواطؤ بعض منفذي القانون وبعض الجهات الرسمية خصوصا تلك التي تؤمن بأن "إشغال المجتمع بنفسه وبصراعاته يردع أي محاولة للبحث عن الإصلاح ويساعد النظام".

أساند العكس تماما وأعتقد بان النظام يستفيد حصريا من الحفاظ على هيبة القانون وحماية المجتمع من مؤشرات الصراع والإنقسام.

…المؤسسات الرسمية وإن إحتفل بعضها مبكرا ببعض الاحتقانات التي تنفجر هنا وهناك لأغراض التوظيف المتسارع المراهق ستكون أول من يدفع الثمن عندما تتهاوى قيم ولافتات التآخي الاجتماعي.. من سيدفع الثمن الجميع ومؤسسات النظام لن تفلت من هذه الدوامة إذا إستمرت بالتواطؤ ولأي ذريعة.

(عن القدس العربي- 16 أيلول/ سبتمبر 2015)