مدونات

اللا عودة

كاتب آخر
كاتب آخر
قمتُ بعدّ نجوم ليلتي وراقبت لآلئ الشمس عن كثب، منتظرة صباحيَ الموعود، في تمام السادسة صباحاً رنّ المنبه معلِناً بداية يومنا، حزمنا الأمتعة بكل متعة وانطلقنا، كان حماس فظيع يسكننا، فنصفُ يومنا في بقعة من الأرض والنصف الآخر في بقعة أخرى وكلتاهما مباركتان!

من النافذة تأملتُ تضاريس الطريق، من أشجار السرو التي تكسو أطراف الشارع كأعمدةٍ تلامس سقف السماء، إلى الجبال التي ترمقنا من بعيد كجنود صحراوية تحرس المارّة.

ترتجف عجلات الحافلة بفعل الاسفلت كمن يلبس الأحمر متجِهاً لحبل إعدامه، وصلنا نقطة الافتراق: أمي واخوتي وأنا نتجه للوطن، وأبي يرجع وحده إلى وطننا الآخر، فرغم الجذور الفلسطينية التي تمتد في أبي حتى النخاع، إلا أنه لا يحمل جنسية ولا يُعتبر مواطناً في وطنه، ويُمنَع عليه الدخول، رغم الرقص الذي يعتلي صدورنا وتنظمه دقات قلوبنا من ناحية، وعودُ الاشتياق من ناحية أُخرى، إلا أنه الفراق حتى وإن كان ليوم واحد.

كل واحد منّا ودّع أبي بصفة مستقلة عن الآخر، فأمي بوجنتيها الورديتين اللتين تزينهما الدموع ودّعت حبيباً لها مكث بجانبها عشرين عاماً، وإخوتي ودّعوا جبلاً يسندهم كلما القلب مال، أما أنا فودّعت سلطان كل الآباء وبطلي الوحيد.

انتهينا من الإجراءات الروتينية على الأراضي الأردنية، وركبنا الحافلة التي ستنقلنا إلى الجسر الثاني (الجسر الذي يحتله الصهاينة)، في طريقنا إليه الذي يُقارب الخمس عشرة دقيقة مليئة بنقاط التفتيش التي تشمل حتى حقيبتك الصغيرة المعلقة على خصرك، ما إن وصلنا ذاك الجسر الذي يُعتبر أكثر فخامةً من الأول من حيث البناء والعمارة ولا ينافسه الثالث على ذلك أيضاً، جسرٌ مليء بالذين احتلوا وطننا، أولئك الذين حرموا أبي من دخول بلده، أولئك الذين شرّدوا جدتي وعمي قابضين بأسنانهم على مفتاح بيتهم وبأياديهم على قلوبهم، الذين حرموا جدي وجدتي من إكمال منزلهم الذي حملوا حجارته على ظهورهم منذ الخمسينات، حتى نكبت فلسطين كلها وتبعثرت كما تتبعثر الحبوب خارج الإناء في زلزال قوي.

رفعتُ هاتفي مستعملة كاميرته لتصوير رحلتي كي أرسلها إلى أبي بالتفصيل، لأشعره أنه جزء منها، إبان رفعي للهاتف داهمني الجنود الذين يملؤون المكان، صارخين بأعلى صوتهم: "عَتسور، عَتسوور". جفلتُ في البداية فلم أفهم شيئاً من المشهد المليء بالصراخ والغضب هذا، حتى هتف واحد منهم مع تزاحم الكلمات العبرية غير المفهومة "stop"!

فهمتُ أنني فعلتُ شيئاً أزعجهم، لكن ما هو؟

ارتجفتُ وأنا الفتاة التي لا تبلغ سوى الخامسة عشرة من عمرها، وخِبرتها عن هذا العالم لا تتعدى الكره العميق لهؤلاء العساكر لأسباب معلومة لا يجهلها أي عربي ومسلم.

لم أكد أتدارك الأمر إلا وقد وجدتُ ثلاثة رجال عريضي الأكتاف، بوجوههم المتجهمة وحواجبهم المعقودة وزيهم العسكري وبنادقهم في أيديهم يحيطون بي من كل مكان، سحب واحد منهم هاتفي من يدي بسرعة ودون أي إنذار مُسبَق، سرعان ما بدأت عيناي بالبحث عن عائلتي مستنجدة فيهم، فركض أخي الكبير - الذي يكبُرني بعامٍ واحدٍ فقط - حيثُ كان يقف بعيداً عنا لتقديم أوراقنا، أبعدهم عني وسحب هاتفي من أيديهم، وأزاحني بيديه حتى أصبحتُ خلفه، تحدثوا مع بعضهم باللغة الإنجليزية، أو بالأحرى تصارخوا، كان يصرخ أخي لاقترابهم مني وإخافتهم لي وسحبهم لهاتفي دون استئذاني، ثم شرَعوا بفتح معرض الصور ليتحروا إن كنتُ قد صورت شيئاً، وهنا كان إعصاراً من أخي فقال لهم بالعربية: "على أي أساس بتسحب تلفونها وبتفتح الصور، البنت إلها صور بدون حجاب، هات وأنا بفتحه وبمسح إللي لازم ينمسح".

والصدمة كانت حين أجابه العسكري : "ماشي".

أعتقدُ أن أخي تحدث بالعربية وقتها؛ لشدة عصبيته وتأثرّه بالموقف، لكن كيف فهم هذا العسكري لغتنا؟

قرأتُ عن هذا كثيراً بعدها، واكتشفت أنهم يتعلمون لغتنا إما بفعل معاشرة اليهود العرب، أو استماعهم لبعض الأغاني العربية، أو يتقنونها علماً، وهذا واجب عليهم خاصةً إن كانوا يعملون في الاستخبارات أو الأمن، "فإن كنتَ ستؤذي فلسطينياً فإذه في لغته؛ كي يفهمك".

مسح أخي الفيديو الذي صورته، وانسحب العسكريون كلٌ إلا مكانه فالتفتَ واحد منهم وقال: "مرة ثانية (لُو) أوكي؟".

لُو: كلمة عبرية بمعنى لا، يعني أنه حذرني من الوقوع مجدداً بهذا الخطأ.

مع كل هذه الجلبة إلا أنني في النهاية لم أفهم سبب منعهم لالتقاط الصور أو الفيديوهات، فبدا ذلك المشهد كسيناريو مُبهم أحتاج لمن يشرحه لي.

فأجابت أُمي التي كانت تمسك أكتافي بيديها: لا يجوز تصوير الأماكن العسكرية خوفاً من عمليات الهجوم عليه أو التفجيرات وما إلى ذلك.

فهمتُ لمَ كل هذا الذعر، محتل الأرض يعرف في خلجات نفسه أنه سارق، ويخاف أن يأتيه من يسترد ضالته.

حالما انتهينا من فحص الجوازات والتواقيع والتفتيش، توجهنا لجسر فلسطين (أريحا)، وهو الجسر التي تكون الإجراءات فيه أسرع مما سبقه، فيتم تفتيش الحقائب أيضا والقيام ببعض الإجراءات الورقية، ما إن فرغنا منها حتى كانت عائلتنا التي تقطن في فلسطين - عائلة أُمي- بانتظارنا، رحبوا بنا، وأزلنا الشوق القابع منذ سنين فينا، وانتقلنا مباشرةً إلى قريتنا، حين نظرتُ من النافذة لحظة ركوبنا السيارة. شعرتُ وكأنني أرى فيلماً وطنياً قديماً، تأهبتُ منتظرة خروج أحد الفوارس راكباً على فرسه الذي يمشي على الرمل كمّن يضرب على ذراتٍ من الذهب، وبيده سيف يبرُق مع انعكاس أشعة الشمس، شعرتُ وكأنني أسمع أصوات السيوف العربية الفولاذية تُستَلُ من أغمادها ممزوجة مع تكبيرات المُحاربين، رُبما لأنها كانت المرة الأولى التي أزور فيها فلسطين فلم أكن أُشاهد شيئاً منها سوى في الأفلام وعلى الشاشات.

في الطريق رأيت خضاراً لم أره طوال حياتي، وزُرقَةً تزينُها الغيوم البيضاء كطقنٍ آسيويٍ خشن، وتُراب مختلط بالماء مكوّناً رائحة طينٍ لم أشمها إلا هناك، وأصوات حيوانات عالية وكأنها في مبارزة. التقطتُ صوراً عديدةً إن شاهدتُها الآن أستطيع سماعها أو شمّ الرائحة الزكية فيها.

ها قد وصلنا قريتنا، حين خطوتُ أول خطوةٍ لي على أرض عقربا (وهي قرية في مدينة نابلس الفلسطينية)، ما كان مني إلا أن رددتُ:

وإن كانت أرضي مليئة بالشوك

ستُسَرُّ روحي وإن سبحت قدماي بالدماء

وإن هاجمتني دبابات العدو وبنادقهم

ليكن قلبي مَعقِلاً مَنيعاً لمسكني

ليحتل الرصاص قلبي ولكن

دعوني اشمُّ رائحة بلادي

وإن أسهبتُ وأجدتُ الوصف

فاتركوني هائماً بالتفاصيلِ

حُلوتي الفاتنة بترابها الأغرّ

وجدُ قلبي و وَلَهُ روحي

فهل يوصل الهواء صبوتي

أم للبحر إيصالُ الاشتياقِ

لأكون فداءً لجذع زيتون منكِ أو زيتٍ

من أرض أبي أو حتى أجدادي

لكِ الحب وإن طال الفراق

وهل للمحبين غير الولعِ والاشتياقِ؟
التعليقات (0)