بورتريه

"أمراء الحرب".. هل تنتهي القصة الأفغانية بهروبهم؟ (بورتريه)

ثمة دول الجوار القريب والبعيد التي تراقب المشهد عن كثب، وهي تملك على الأرض الكثير من قطع الدومينو- عربي21
ثمة دول الجوار القريب والبعيد التي تراقب المشهد عن كثب، وهي تملك على الأرض الكثير من قطع الدومينو- عربي21

وصف الرحالة العربي ابن بطوطة الأفغان بالقوة والبأس الشديد عند زيارته لمدينة كابول وما جاورها. 

على جبالها القارية الأجواء ووديانها الوعرة انهزمت واندحرت ممالك وجيوش وفر جنرالات وفاتحون. 

دخل الاتحاد السوفيتي بكامل قوته وجبروته أفغانستان لحماية الرئيس الشيوعي بابراك كرمال وخرج من البلاد مهزوما تحت وابل من صواريخ "المجاهدين"، ودخلت الولايات المتحدة لتدمير "تنظيم القاعدة" ونظام طالبان، وبعد 20 عاما انسحبت مكرهة وتركت البلاد تقع تحت حكم الأخيرة، رغم أن واشنطن أنفقت تريليوني دولار، وتسببت بمقتل نحو 241 ألف شخص، فضلا عن 2448 جنديا أمريكيا و454 جنديا بريطانيا.


ومنذ التسعينيات وحتى اليوم ابتلع الفساد وأمراء الحرب وميليشياتهم مليارات الدولارات من المساعدات الاقتصادية، وقسمت البلاد وسرقت الثروات حيث يتفشى الفقر والأمية، ولا تزال معدلات الوفاة هناك من بين الأعلى في العالم. 

وإذا كان الأمر كذلك فقد تساءل الصحفي البريطاني ديفيد هيرست: من أجل من كان سيقاتل الأفغان؟

رئيس الدولة "المنتخب" بحماية أمريكية أشرف غني يترك القصر الجمهوري ويهرب بأربع سيارات مليئة بالأموال، وجزء آخر منها وضع في مروحية لكنها لم تستوعبها، فبقي جزء من الأموال ملقى على أرض مدرج الإقلاع، وفق العديد من المصادر.

الرئيس الهارب الموجود في الإمارات، ينفي أنه "باع أفغانستان"، ويقول: "خرجت من البلاد ولم أحمل معي سوى بعض الكتب ولا أملك سوى عمامتي وأحذيتي". 

لكن سفيره لدى طاجيكستان محمد ظاهر أغبر، يكذبه ويؤكد أن غني استولى على 169 مليون دولار، من خزينة الدولة، خلال فراره من البلاد.

وقبل الهروب الكبير توسل أشرف غني مساعدة أمراء الحرب: عطا محمد نور، والأوزبكي عبد الرشيد دوستم، اللذين قاتلا طالبان بكل عنف وقسوة وبلا رحمة.

دوستم ونور استلا سيفيهما في مدينة مزار شريف وصرحا للصحفيين بأن "طالبان لم تتعلم إطلاقا من الماضي".

حكومة غني كانت تأمل حتى اللحظة الأخيرة مساعدة أمير حرب سيئ السمعة، مشهور بالشراسة والتقلب في التحالفات.

يعرف عن دوستم (67 عاما) أنه يبدل ولاءه باستمرار فهو بدأ شيوعيا متحالفا مع موسكو ثم تحالف مع "المجاهدين"، ثم دخل في "التحالف الشمالي" وقاتل مع الأمريكيين عندما احتلوا أفغانستان لإزاحة "طالبان" من السلطة. 

وبحسب تقرير صحيفة "التايمز" فقد عاد دوستم إلى أفغانستان متأخرا بعد سقوط مركز سلطته في شبرغان تحت سيطرة طالبان. واجتاح المسلحون قصره ونشروا صورا لغنائمهم التي استولوا عليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

 

اقرأ أيضا: ندوة عربي21 | حقيقة فكر طالبان ونذر توتر مع طرف "غير متوقع"

ويتهم دوستم بارتكاب فظائع خلال مسيرته القتالية، لكن لعل أسوأها سمعة المذبحة التي قتل فيها مئات السجناء من "طالبان" عام 2001 فقد خنق هؤلاء السجناء بعد جمعهم داخل حاويات شحن لنقلهم من الخطوط الأمامية في قندوز إلى شبرغان. ووصف الناجون كيف كانوا يلعقون حبات العرق من أجساد الآخرين كي يرووا ظمأهم.

أما عطا محمد نور (57 عاما)، فقد حذر طالبان عبر نشر صور لمقاتلين من الحركة قتلتهم قواته في حين توعد بالقتال حتى الموت، وفضل "الموت بكرامة على الموت من اليأس". 

محمد نور، ذو الأصول الطاجيكية كان من بين أوائل الأشخاص الذين نادوا بـ"انتفاضة شعبية" بينما كانت تتقدم طالبان وانتقد انسحاب القوات الأمريكية ووصفها بـ"غير المسؤولة" وطالب الحكومة الأفغانية بتمويل تسليح الميليشيات.

لكن تاريخ محمد نور مع دوستم هو تاريخ صراع لا أخلاقي إذ إن الرجلين قاتل كل منهما الآخر أكثر من مرة من أجل السيطرة على الأراضي.

وأمام زحف طالبان أقر الرجلان بالهزيمة وفرا من البلاد عبر الحدود الأوزبكية القريبة، ولحقا بغني وأمراء حرب آخرين وقادة مليشيات ومحاربين مخضرمين. 

وفيما كانا يقلعان بطائرة خاصة برر دوستم ونور هروبهما بأنهما كانا "ضحيتين لخيانة متأصلة"، وأن مقاومة المليشيات انتهت "نتيجة لمؤامرة كبيرة منظمة وجبانة".

وسبقهما لرفع الراية البيضاء أسد مدينة هرات القوي إسماعيل خان، الذي طالب الشهر الماضي "كل القوات الأمنية المتبقية بالمقاومة بشجاعة".

لكن خان قبل "صفقة" يأمن فيها على نفسه مقابل أن يلزم بيته، وكانت صفقة مذلة وفقا لوسائل إعلام دولية.

وكان إسماعيل خان (يعرف كأمير حرب بالوكالة عن إيران) قد دافع عن مدينة هرات ضد طالبان عام 1995 حتى تعرض للخيانة من حليفه السابق دوستم.

ومع تداعي قوات الحكومة إثر بدء الانسحاب الأمريكي، قاد خان 30 ألف رجل بجانب القوات الأمنية الأفغانية من أجل الدفاع عن المدينة، ولكن انتهى الأمر بسقوطه أسيرا في يد طالبان.

ينتمي خان إلى العرقية الطاجيكية، وظل قائدا أعلى في "الجماعة الإسلامية"، وبعد أن انسحب السوفييت من أفغانستان أصبح محافظا لولاية هرات. ومع انهيار نظام طالبان بعد عام 2001، عاد خان ليتولى منصب محافظ هرات ويسيطر على الولايات الغربية. 

وبعد استسلام نحو 3 آلاف جندي أفغاني في هرات من دون قتال، فر خان إلى المطار للهروب مع ثلة من كبار معاونيه ومسؤولين كبار.

لكنه منع من ركوب المروحية من قبل الجنود الأفغان، ولم يعد أمامه خيار آخر سوى الاستسلام لطالبان التي رحبت بتسليم خان نفسه ونشروا صورا له معلنين ذلك نصرا لهم.

 

اقرأ أيضا: سلسلة WP: انتصارات أمريكا الوهمية في أفغانستان

ومن أمراء الحرب النافذين يأتي زعيم "الحزب الإسلامي" قلب الدين حكمتيار الذي قاتل السوفييت والأمريكان ووضع على قوائم عقوبات واشنطن.

 

لكن حكمتيار ابتعد عن أية صراعات مع عودة طالبان القوية فدخل على خط الأزمة بوصفه أحد أركان الحل والحوار لتجنب الخرب ودمار العاصمة كابول.

حكمتيار قال إن "الحكومة (حكومة غني) لم تكن قادرة على التحرك، ولا على الدخول في حرب"، مضيفا "نحن هنا لإيجاد حل للأزمة في أفغانستان، ولا نريد الحرب.. الناس لا يريدون الحرب".

وأكد حكمتيار: "حصلنا على تعهدات من طالبان، مفادها أنها لن تؤذي أحدا ولن تضر أحدا".

وضمن قائمة أمراء الحرب يأتي زعيم حزب "الدعوة الإسلامية" والقائد الميداني السابق الأكثر شهرة عربيا عبد رب الرسول سياف الذي ابتعد عن المشهد في السنوات الأخيرة لكنه ظهر أخيرا مع وفد طالبان في زيارة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي.

ورغم اغتياله عام 2001 لا يزال أحد أبرز "المجاهدين الأفغان"، أحمد شاه مسعود (أسد بانشير)، مؤثرا في الحدث عبر ابنه أحمد مسعود الذي تعهد بعدم الخضوع لحكم طالبان وتراجع إلى وادي بانشير.

وطالب أحمد مسعود بدعم أمريكي بالأسلحة والذخائر للميليشيا التي يقودها في أفغانستان من أجل مقاومة طالبان التي لم تتمكن يوما من السيطرة على وادي بانشير الذي يصعب الوصول إليه.

وكان كرزاي قد أعلن تشكيل مجلس لضمان نقل السلطة سلميا، مشيرا إلى أن المجلس يضم رئيس مجلس المصالحة عبد الله عبد الله وحكمتيار. 

يشدد أنتوني كوردسمان، الباحث بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكية في ورقة تحليلية على أن انهيار القوات الأفغانية يشبه "انهيار منزل من ورق استغرق بناؤه قرابة عشرين عاما". 

ويعزو هذا السقوط إلى إخفاقات على المستويين المدني والعسكري محملا مسؤوليتها للحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي" خلال حكم 4 رؤساء هم: جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن. فضلا عن إخفاق الحكومة الأفغانية حيث "لا يمكن لأي قوة خارجية أن تساعد حكومة فاشلة لا تستطيع أن تساعد نفسها". 

لا تعني الهزيمة الكبيرة للحكومة الأفغانية وحلفائها نهاية أمراء الحرب الأفغان، فهم على عكس الحكومة الأفغانية لهم وجود على الأرض وموارد وأتباع حقيقيون.

والبلاد مليئة بالسلاح، وكابول وحدها تضم نحو 70 ألف مسلح وهي مترامية الأطراف ووعرة التضاريس إضافة إلى التنوع الإثني (العرقي).

يقول مايكل روبين، زميل معهد أمريكان إنتربرايز، المتخصص في شؤون إيران وتركيا والشرق الأوسط في تقرير نشرته مجلة "ناشيونال إنتريست" الأمريكية: "يرفرف علم (الإمارة الإسلامية) الآن فوق القصر الرئاسي في كابول، لكن انتصار طالبان ليس نهاية القصة".

ثمة دول الجوار القريب والبعيد: روسيا وتركيا وإيران وطاجكستان وأوزبكستان التي تراقب المشهد عن كثب، وهي تملك على الأرض الكثير من قطع الدومينو!

 

التعليقات (0)