قضايا وآراء

نموذج قطر: مدرسة في "إدارة التحالفات" الدولية المتميزة..

أنيس منصور
عربي21
حين تتوفر الإرادة السياسية القوية والتخطيط الحكيم، تكون النتيجة أن دولة صغيرة في المنطقة مثل قطر، قادرة على أن تغدو بمثابة قلعة مركزية قوية في محيط مضطرب ومرتبك ولا يعرف كيف يدير علاقته بالعالم. صحيح أن قطر ليست الدولة العربية والخليجية الوحيدة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع القوى الكبرى في العالم، أمريكا وغيرها.. لكنها مختلفة عن الجميع، وهذا ليس كلاما إطلاقياً دونما علة واضحة، بل سأقول تباعاً لماذا هي مختلفة..؟

مبدئياً، يمكن الجزم وبشكل حاسم بأن قطر هي الدولة العربية والخليجية وربما الإسلامية التي تتمتع بعلاقات استثنائية مع القوة الكبرى الأولى في العالم؛ أمريكا.

وما دعوة الكونغرس الأمريكي لإدراج قطر في قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2022، إلا دليل إضافي، وشاهد أخير على أن قطر لم تعد تلك الدولة العادية، مثلها مثل دول كثيرة تقيم علاقات جيدة مع أمريكا، بل هي نموذج مختلف ومتميز من جوانب كثيرة.

لعل ما يميز قطر ليس امتلاكها علاقة قوية مع أمريكا فحسب، بل طبيعة تلك الشراكة ونوعيتها، وبلغة أكثر دقة، يمكن القول إن قطر هي الدولة الوحيدة التي قدمت نموذجاً لشراكة فاعلة مع أمريكا مع احتفاظ كامل باستقلاليتها ومواقفها الحرة من قضايا المنطقة دون ارتهان كامل للحليف القوي.

من قبل أن تقدم قطر هذا النموذج المتميز والفاعل في علاقتها بالقوة العظمى في العالم، كانت الأنظمة العربية تتصرف بمنطق إذعاني فيه نوع من الدونية، وكأن الحصول على ثقة أمريكا يستلزم تلك الصيغة من الاستلاب السيادي الكامل. جاءت قطر وقلبت المعادلة وصارت الشريك الأول لأمريكا بالمنطقة دون أن تحني السيادة جبهتها، بل زادت رسوخاً وثقة.

الحدث الأخير الذي تم بموجبه رفع مستوى الشراكة القطرية مع أمريكا، هو مستوى لم تبلغه شراكة أي حليف عربي أو خليجي في علاقته بالقوة الكبرى بالكوكب، وللمتابع هنا أن يتساءل: لماذا قطر بالتحديد..؟ لماذا لم تفعل أمريكا هذه الخطوة مع أي دولة خليجية أخرى، وهي دول -أي بقية دول الخليج- ذات علاقات جيدة بأمريكا، وبعضها أكثر وزنا من قطر في عناصر تكوين الدول؟

الجواب: أمريكا دولة ذكية، لا تقيم خططها الاستراتيجية بناءً على ما تقدمه لها الدول من ولاء مطلق ومشبوه أحيانا، بل اعتماداً على تقييمها لمدى جسارة وثقة هذا الحليف، والصيغة التي يقدمها في تحالفه معها.

أي أن أمريكا تدرك طبيعة التصور المتوازن والفاعل الذي تقدمه لها قطر في سبيل شراكتها معها، وتثق بأنه تصور يتمتع بديمومة ويقوم على مستوى من الاعتداد بالذات مع الكفاءة بالالتزام بما يعد به دونما مبالغة في الخضوع، ولا شك في القدرة على تأدية متطلبات الشراكة.

ولعل دور قطر الأخير، في ما يخص الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ورعايتها لمفاوضات الانسحاب وتحركها الفاعل في إجلاء رعايا بالآلاف وبكفاءة عالية، وكل ما قدمته في ما يتعلق بهذا الحدث، كان شهادة كفاءة لقطر، أسهمت في تخفيف مزالق كثيرة من واقعة الانسحاب والارتباكات التي رافقتها. وربما لولا قطر لكانت ورطة "بايدن" في إدارة الانسحاب أكبر مما يتوقعها أحد.

في كل علاقات أمريكا مع دول المنطقة، تبدو الدول المتحالفة مع أمريكا أكثر احتياجاً لها من حاجة أمريكا لتلك الدول، فيما قطر وصلت طبيعة العلاقة بينهما لدرجة إحساس أمريكا أن وجودها وصورتها كقوة عظمى ستهتز كثيرا، فيما لو لم يكن لديها حليف فعال ونوعي يسعفها لتلافي أخطاء كثيرة، أو لنقل حليف تحتاجه بمستوى حاجته لها وبما يجعل العلاقة تتأسس على قاعدة "الندية المتكافئة معنوياً" وليست علاقة تبعية واستجداء، مع التنبيه لطبيعة الفوارق في القوة بين الطرفين، وهذا بديهي، في علاقة أمريكا مع أي دولة بالعالم. لكن ما يهمنا هنا هو هذا التماثل المعنوي، والإحساس المتبادل لدى الطرفين بأن تحالفهما يقوم على حاجة مشتركة، وليس تابعا ومتبوعا، كعلاقة بقية حلفاء أمريكا بالمنطقة.

هناك نقطة مهمة تفسر طبيعة الشراكة المتميزة لقطر مع أمريكا، وهو أن ما تقدمه قطر لأمريكا ليس مجرد أدوار عادية يمكن لأي حليف آخر أن يحل محل قطر في تأديتها، بل أدوار استثنائية بالمفهوم الإيجابي، ونوعية تلك الأدوار تعود لأوراق القوة لدى قطر والمتمثلة في علاقاتها وحضورها المركزي في قضايا كثيرة مهمة ومتشابكة. ولعل ما أشرنا له مسبقا عن دورها في الملف الأفغاني، مثال لهذا.

فقطر تنتهج استراتيجية كاملة في تأسيس علاقات نوعية مع كل الجهات والأطراف والقضايا الساخنة في المنطقة، وتشتغل لتعزيز حضورها في كل مكان وبما يجعلها قادرة في أي لحظة أن تكون الطرف المركزي في رعاية أي توافق وحوار وتقارب في أي قضية مهمة في المنطقة تحظى باهتمام غربي، والأمثلة كثيرة.

فمن ذلك وساطاتها في قضية الحرب اللبنانية، وعلاقتها المتوازنة مع الأطراف اليمنية -لولا ارتهان بعض أطراف الصراع لدول متناحرة بالمنطقة وبما جمد الدور الممكن لقطر كي تنجح بتفعيل دورها- وتواصلاتها مع فصائل المقاومة بغزة، وعلاقاتها الجيدة في دول أفريقية وآسيوية وشرق أوسطية كثيرة.

كل تلك الأدوار المهمة والحضور المتواتر والاشتغال لتعزيز نفوذها مع أغلب الجهات الفاعلة في المنطقة؛ يجعلها أكثر دولة قادرة على أن تؤدي دورا محوريا في حلحلة كثير من الملفات الشائكة في هذه البقعة الملتهبة من العالم، ويضاعف من ثقة العالم بها.

وهنا يمكن قول فكرة إضافية، حيث الحليف الدولي يتابع حيوية حلفائه، وطريقتهم في إدارة علاقاتهم بالمحيط وتنمية نفوذهم وأوراق قوتهم، ومن بين كل حلفاء المجتمع الدولي، وأمريكا تحديدا، يقع الخيار على قطر، ليس لكونها الحليف الوحيد كما أسلفنا، بل لكونها الحليف الذكي، والطرف الذي يراه العالم متميزا في إدارة سياساته بعقلانية وتوازن وحكمة وفي مختلف التقلبات.

حتى في أكثر القضايا تهديدا لقطر، متمثلة بالأزمة الخليجية، ظلت قطر تتحرك بهدوء ولم تنزلق نحو ردات فعل غوغائية ومتشنجة، وهو ما رفع من ثقة القوى الدولية بكفاءة هذه الدولة وامتلاكها لعقل تخطيطي منضبط ويخضع لموجه مؤسسي، وليس رهينة للأمزجة والأهواء الشخصية والمنفلتة كما يبدو عليه الحال لدى بقية دول الخليج والمنطقة -باستثناء الكويت- حيث يمكن القول إنها تشترك مع قطر في انضباط مواقفها مع فارق الفاعلية والحضور بين الدولتين.

أخيراً: لعل الدرس المركزي الذي تقدمه قطر في سياستها بإدارة تحالفات فاعلة ومتميزة مع القوى الدولية، هو أنها دولة تجيد توظيف مفهوم "القوة الناعمة" لتعزيز حضورها الدولي، وبأقصى تجليات القوة الناعمة وكفاءة هذا النوع من الدبلوماسية، قليلة الكلفة وعظيمة الأثر. فالأمر لا يتعلق بالمال ولا الإعلام، ولا الوزن التقليدي للدولة ومساحتها وسكانها، بل الإدارة الذكية للعلاقات والعمل الممنهج على كافة المستويات، ومراكمة أدوات القوة والنفوذ والحضور والنجاج في قراءة طبيعة العقل الغربي ونقاط قوته وضعفه ومداخله ومخارجه، وبما يمكنك كدولة أن تنتزع من حليفك مكانة متقدمة بل وتدفعه للحرص على علاقته بك، بدلا من أن تظل أنت الذي تقدم التنازلات تلو التنازلات؛ كي تضمن ديمومة علاقتك به.

قطر قلبت المعادلة، وجعلت أمريكا بنفسها تبادر لرفع مستوى شراكتها معها، وهذا درس في السياسة الذكية بل ومدرسة من المدارس السياسية في المنطقة، وربما يجدر بالعرب عموماً والخليج تحديداً، أن يتوقفوا طويلا لدراسة النموذج الذي تقدمه قطر في دبلوماسيتها وتكتيكاتها ونهجها في كيفية التشبيك الرفيع مع العالم.
النقاش (1)
المهندس/ أحمد نورين دينق
الأربعاء، 09-02-2022 02:26 م
من أسباب نجاح قطر:التجنيس,قطر إستقبلت الكثير من الكفاءات العربية و الإسلامية من الذين لم يجدوا في بلدانهم غير الإهمال و أحيانا التنكيل , فعملت قطر على توفير إحتياجاتهم المادية و المعنوية بدرجة تفوق مستوى عناية بعض الدول الغربية بمواطنيها , و منحتهم حريات لا يحلم بها أحدهم في صحوه قبل منامه , فكان حضن قطر أشد حنوا عليهم من أخلائهم ..و أحد أسباب نجاح قطر مستوى النعمة التي رفد بها الله عز و جل إنسان قطر في باطن الأرض و في ظاهرها , بيد أن أجل تلك النعم هي نفسية إنسان قطر الكريم المفضال , الذي أبى إلا مشاركة أخيه في الإنسانية في هذا الخير في وقت كل شعب بما عندهم مضنون..و من أهم أسباب النجاح حكمة القيادة..فأخذ الرأي السديد في الوقت المناسب في إعتقادي يمثل رأس مال العمل الدبلماسي,فالرأي قبل شجاعة الشجعان..فشعرة معاوية هو ميزان القائد الفذ الذي يتقلب به بين النجاحات ذات الأحجام المتفاوتة..فهنيئا لقطر هذه القيادة,فضبط العلاقات الدولية من الأمور البالغة الخطورة,ففي التأريخ تمكنت المناذرة و الغساسنة من التعايش و صنع علاقات متميزة أحيانا كثيرة مع الإمبرطوريتين الرومية و الفارسية .