كتب

"العصا الغليظة".. قراءة جديدة في أسباب ومترتبات حرب أوكرانيا

محاولة لفهم أسباب ونتائج الحرب الروسية- الأوكرانية وتداعياتها على العالم
محاولة لفهم أسباب ونتائج الحرب الروسية- الأوكرانية وتداعياتها على العالم

الكتاب: العصا الغليظة: صناعة الكذب وفلسفة الهزيمة في الحروب الهجينة
تحرير: الدكتور هيثم مناع
الناشر: المركز التعليمي لحقوق الإنسان (ألمانيا) والمعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان، (جنيف) 2022
(272 صفحة)


عندما ناقشنا في مطلع آذار (مارس) 2022 مسؤولية حلف شمالي الأطلسي في التصعيد الذي تتوج بالعملية العسكرية للقوات الروسية في أوكرانيا، وقف عدد من زملائنا الأوربيين في وجه ما أسموه "محاولة تبرئة لبوتين"؟ ومع هذا تفرغ إثنان منا (محمد سعيد وهيثم مناع) لتحرير فصلين من الكتاب، واحد عن العلاقة بين الناتو والاتحاد الأوروبي (نشر في عربي 21 في 7 مايو) والثاني حول أوكرانيا وحلف الناتو. لم نكن نتوقع حينها أن السلطة الكاثوليكية الأعلى في العالم ستنضم بعد شهرين إلى القراءة التي استخلصناها، وأن البابا فرانسيس سيتبنى وجهة النظر هذه بل والقول لمن اعترض عليه: "قد يقول لي أحدهم في هذه المرحلة: لكنك مؤيد لبوتين! لا، أنا لست كذلك". "سيكون من التبسيط والخطأ قول مثل هذا الشيء. أنا ببساطة ضد اختزال التعقيد في التمييز بين الأخيار والأشرار، دون التفكير في الجذور والمصالح، والتي هي معقدة للغاية."

تابعت شخصيا ملف التطرف القومي في أوكرانيا، وكم توقفت عند التغييرات في المواقف الغربية من كتيبة آزوف، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي وفيسبوك، وكيف أن هذه المجموعة التي كانت تعتبر "منظمة إرهابية أجنبية" في عدد من الدول الغربية أصبحت جزءا من "المقاومة الأوكرانية الباسلة"... كيف جرى منع وسائل إعلام روسية، حرمان رياضيين وفنانين روس من السفر والمشاركة في المناسبات الرياضية والفنية والأدبية.. حتى البيان الذي أصدره آلاف العلماء والبحاثة الروس ضد الحرب، لم يجد الصدى الذي يستحق... كيف سرقت صورة لفتاة فلسطينية مناضلة ضد الاحتلال وأصبحت بقدرة قادر فتاة أوكرانية مقاومة؟ لم تكن ثقافتنا الشرقية، التي تعتبر "الحقيقة ضالة المؤمن" أو ثقافة جيلنا في شبابه التي طالما كررت : "الحقيقة دائما ثورية"، لتقبل هذه البروباغندا، وأن تخضع لإرهاب الثنائية التي فرضت على شعوبنا من قبل في حرب العراق: "من ليس معنا فهو بالضرورة ضدنا".
 
تواصل الفريق مع عدد من المفكرين والباحثين والباحثات في أوروبا والولايات المتحدة للتعاون من أجل كتاب يواجه العصي الغليظة التي كشفت عن نفسها بعد دخول القوات الروسية إلى الأراضي الأوكرانية بدعوى تخليصها من النازيين الجدد: هذه العصي التي شكلت الحرب العسكرية رأس الحربة فيها، لكنها لم تكن وحيدة: فهناك الحرب الاقتصادية، مرئية في العقوبات، ومخفية في التراجع الواضح للسيطرة على السوق والثروات من قبل قوة عظمى وحيدة. الحرب السبرانية والتكنولوجية، ودور البروباغندا في تخدير وتوجيه ما يسمى بالرأي العام، الحرب الجيو سياسية لبناء عالم متعدد الأقطاب، والحرب الثقافية التي كان العالم الإسلامي أول ضحاياها فيما سمي الحرب على الإرهاب..

 

"الجملة الانتصارية الشائعة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية Never again، لا معنى لها، "مادامت الحرب مشرّعة ومشروعة في القوانين الدولية".

 


في فصلين من الكتاب تم تفكيك آليات صناعة الكذب "بعد الحداثة" على مختلف الجبهات، بالأمثلة والوقائع. كيف تحوّل الحرب البحاثة المعروفين بالرصانة إلى بوق إعلامي، كيف تجري عملية نسيان الأساسيات لمجتمع بشري ويعتبر وجود 15 مليون من أبنائه خارج بيوتهم "ضرورة حربية"؟ كيف يقف الأمين العام للناتو النرويجي، مرتديا بزة القتال، ومتناسيا، أن هناك من اللاجئين الأوكرانيين ما يفوق عدد سكان بلده النرويج في أصقاع الغرب؟ كيف، وهو الاقتصادي تكوينا وثقافة، يتحدث عن كميات السلاح التي يحتاجها الجيش الأوكراني دون أي توقف على الهدم والتحطيم الذي تقوم به القوات الروسية والأوكرانية للبنيات التحتية الاقتصادية؟ كيف يحدثنا رئيس الوزراء البريطاني عن فساد الأوليغارشية المالية الروسية وبريطانيا قد خسرت عرش "الأوليغارشية المالية" مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين تصدر "الأغنياء" في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال نصف قرن عرش الغنى الفاحش، بثروات خيالية تزيد عدة مرات عن الدخل القومي لأكثر من سبعين بلدا من دول الجنوب؟ 

في مقدمة الكتاب، يلخص فريق البحث ما يعتقده ضروريا لفهم أعمق للحرب في أوكرانيا: "تساعد هذه المواد البحثية والتأملية على وضع الصراع في السياق الأوسع للعلاقات والمواجهات بين روسيا والغرب. تعود المواضيع وأطر الأبحاث إلى عام 2014 وسعينا ونسعى لأن تشمل موضوعات أساسية مثل: أسطرة "الحتمية" العسكرية، الاستراتيجية والتوازنات العسكري، الأبعاد الجيو سياسية للصراع، التاريخ والجغرافيا، سقوط أسطورتي "نهاية التاريخ" و "صراع الحضارات"، فعالية العقوبات الاقتصادية واستعصاءاتها، العقوبات الشاملة ومخاطر ارتداداتها، المترتبات القريبة والبعيدة على الاتحاد الأوربي وبلدان الجنوب، الحرب السيبرانية، الطاقة، وسائل خفض التصعيد، الحلول الدبلوماسية الممكنة، الحل السلمي التفاوضي أو الطوفان..."

كنا نقول عند الحديث عن العقوبات الاقتصادية، أن سوريا قد تجاوزت أهم البلدان الخاضعة للعقوبات في العقد الثاني من هذا القرن، فإذا بقرارات الدول السبع وحلفاء الناتو يصدرون عددا تجاوز الستة آلاف عقوبة؟ وقد توقع الباحثون في هذا الكتاب، ومنهم أمريكية وأمريكي، أن يرتد السحر على الساحر هذه المرة، وأن تكون هذه العقوبات سببا في زيادة الدين العام والتضخم والقدرات الشرائية للناس، ليس فقط في روسيا وأوكرانيا وإنما في الدول الغربية ذات الاقتصاد الأقوى، أما الدول الفقيرة، فالنتائج الكارثية قد أعطتها مادلين أولبرايت اسما لا تستحق أكثر منه: خسائر جانبية.

 

في حين تصبح أرقام القتلى مجرد مؤشرات على النصر والهزيمة، وبأحسن الأحوال، دليلا على همجية الآخر. يصبح موضوع تغيير موازين القوى والأسلحة النوعية والعقوبات الضرورية الهم الشاغل الأول، لأطراف الصراع".

 



يمكن اعتبار كتاب "العصى الغليظة" أول محاولة بحثية علمية ضد الحرب، كونه يشرّح جملة الكوارث التي نعيشها منذ 24 فبراير 2022، بما في ذلك عجز المنظومة العالمية طور الانتقال، من الاستمرار دون اللجوء إلى الحرب. فخلال سنوات ثمانية، كم من الفرص لحلول دبلوماسية قد أجهضت، وهل يعتقد عاقل في أي من ضفاف المعارك، أن هناك نصر عسكري في عصر الأسلحة النووية؟ لذا يذكّر محرر الكتاب هيثم مناع:
 
"الجملة الانتصارية الشائعة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية Never again، لا معنى لها، "مادامت الحرب مشرّعة ومشروعة في القوانين الدولية". لأن الحرب قذرة بالضرورة، وهي تُدخل البشر في منطقها، الإنسان هو الضحية الأولى، مهما كان لونه أو دينه أو معتقده أو لغته.. يتنافس صقور أركان الحرب على دور الضحية والمظلومية، بحثا عن براءة تصنفهم في معسكر الخير، أما في الميدان فيختلف الأمر: يوجد الشعب "المختار" والشعب "الرث" “lumpen-people”، اللاجئ الملون واللاجئ خمس نجوم، الجثة الممكن بيعها أو مقايضتها والجثة التي لا تستحق سوى الحرق... تشكل الحرب دائما كشافا لكل المعايير المزدوجة والغرائز العنصرية الكامنة التي يلجأ إليها البشر في صراعهم مع البشر... باختصار، الحرب، كما يقول الصحفي Rob Grams: "هي وضع لا تتوفر فيه سوى" الحلول السيئة".

من قذارات الحرب إخراج كل طفيليات المستنقع إلى السطح. الأمر الذي يستنفر صناع القرار ومراكز العصف "الذهني"، للتفسير والتبرير والتأويل لكل ضربة صاروخ أو مدفع، وفي حين تصبح أرقام القتلى مجرد مؤشرات على النصر والهزيمة، وبأحسن الأحوال، دليلا على همجية الآخر. يصبح موضوع تغيير موازين القوى والأسلحة النوعية والعقوبات الضرورية الهم الشاغل الأول، لأطراف الصراع".
 
رغم أن قرابة 40 بالمئة من مواد الكتاب حررت بالإنجليزية والفرنسية في الأصل، آثرت المجموعة أن تصدر النسخة العربية أولا، لأن منطقتنا، التي شهدت في العقدين الماضيين، أسوأ حروب عدوانية، بالأصالة أو بالوكالة، هي في أمس الحاجة إلى وعي أهمية صناعة السلام في مجتمعاتنا. فحتى الأبناء المدللين من البيض والأوربيين والغربيين، لا يمكن للحروب إلا أن تكون كارثة عليهم.
 

*باحث ومترجم يعيش في فرنسا

التعليقات (2)
د. محمد سعيد
الثلاثاء، 12-07-2022 09:16 ص
في الحديث الصحيح: لا يشكر الله من لا يشكر الناس. بوصفي أحد الباحثين والباحثات الذين شاركوا في هذا العمل، أود أن أشكر موقع عربي 21 الذي نشر أكثر من فصل من هذا الكتاب في يوم كانت المواقع الأخرى تعتذر "بأدب شديد" بدعوى ليس هذا وقته. وللحقيقة كان هذا الموقع جريئا في إعطاء حيز هام للباحثين من أكثر من تيار فكري في وصف نقدي لما يحدث في أوكرانيا. اليوم نلاحظ أن حاجز الخوف من النشر قد انكسر عند الكثيرين، وهذا بحد ذاته وسام لكل من فتح الباب لكل الآراء النقدية لتعبر عن نفسها... نشكر "أفكار" التي كانت سباقة في جعل حق الاختلاف نعمة ومدرسة.
رياح
الإثنين، 11-07-2022 04:44 م
القتل هو شيء لابد منه في الحياة البشرية منذ خلقها رب العالمين. تطورت المفاهيم والوسائل والأسلحة التي يخترعها الانسان على مر العصور حسب عقليته المجرمة لقتل وتدمير واحتلال غيره واستعباده، فما يجري الآن في أوكرانيا لا يختلف عما جرى من حروب على مر التاريخ فهذا من أصل النشأة البشرية وكما يريد رب العالمين جل جلاله. ونعود الى حرب روسيا وتجمع العالم الغربي ضدها واذا قرأنا مثلا بروتوكولات حكماء صهيون التي تجاوز عمرها الـ 100 عام نجد ما حدث ويحدث مذكور فيها واذا أضفنا اليها النبوءات التوراتية وما نطق به الغربيون علنا عن انقاص تعداد السكان الى مليار او أقل واقتراب قدوم المسيا وعمل المستحيل لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سيدنا سليمان والأهم علو بني اسرائيل الثاني الذي ذكر في القرآن الكريم نصل الى أن ما يحدث ليس عشوائيا وانما مخطط له ومدروس وينفذ على مهل ولكن في الحرب الأوكرانية أعتقد أن التسارع قد بدأ وأن الأمور ستأخذ منحى خطر كبير على العالم أجمع. مشكورون على فتح الموضوع كتابة وآمل أن يكون هناك من يتابع الكتابة كلما ظهر شيء جديد.