كتاب عربي 21

عن ربيع اليمن في ذكراه الـ12 وتحديات اتفاق بكين السعودي الإيراني

ياسين التميمي
كيف ينعكس اتفاق السعودية وإيران على اليمن؟- جيتي
كيف ينعكس اتفاق السعودية وإيران على اليمن؟- جيتي
فيما يستعيد اليمنيون هذا الشهر ذكريات أيام مجيدة لثورة الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011، دون أن يفقدوا الأمل بعد، رغم التوقعات المتشائمة من الاتفاق السعودي الإيراني الموقع قبل تسعة أيام برعاية صينية، بالنظر إلى آثاره السيئة المحتملة على الساحة اليمنية التي تدور عليها حرب بالوكالة بين العدوين الإقليميين اللدودين منذ عقود، إذ يذهب أكثر اليمنيين تفاؤلاً إلى أن هذا الاتفاق قد يحفظ إن لم يُعظم الحصة الجيوسياسية لحلفاء إيران في اليمن.

بالنسبة لليمنيين ولربيع اليمن، يزدحم شهر آذار/ مارس بذكريات مؤلمة ومحطات مجيدة، عبر الفترة الزمنية الممتدة من 2011 وحتى اليوم، أي على مدى اثني عشر عاماً، ولم يعد صبر اليمنيين يحتمل ضربات مؤلمة تنكأ جراحهم الغائرة، كتلك التي يتوقعون أن يجلبها اتفاق العاشر من آذار/ مارس السعودي الإيراني، لتبدو في نظرهم محصلة غير عادلة لتضحياتهم ولثقتهم بحليف يبدو كأعدائهم.

اثنا عشر عاماً من التضحيات الجسيمة التي بذلها اليمنيون منذ أن قرروا تدشين عهد جديد من الاستقرار والحرية والكرامة، والشراكة الوطنية، بدأت بمجزة 18 آذار/ مارس 2011، المعروفة باسم جمعة الكرامة والتي خلفت أكثر من (56) شهيداً ومئات الجرحى؛ تعرضوا لوابل من رصاص قناصة محترفين أراد من خلالهم علي عبد الله صالح إسكات أصوات عشرات آلاف الثوار المحتشدين في ساحة التغيير الواقعة بمحاذاة جامعة صنعاء في وسط العاصمة صنعاء.
من المؤسف أن ذلك التدخل العسكري وبعد ثماني سنوات من الحرب، لم ينقذ اليمن ولم يخرجه من أزمته ومحنته الإنسانية العميقة، كما لم يضف للمملكة مكاسب جيوسياسية، ولم يمكنها من حيازة أوراق ثمينة في معركة النفوذ الإقليمية التي تخوضها مع الجمهورية الإسلامية على مستوى المنطقة

عداد التضحيات بعد ذلك اليوم الدموي الرهيب لم يتوقف، واستمرت الفئة المفيدة من الشعب اليمني تنزف وتقدم التضحيات الغالية، متصدرة مشهد المواجهة مع نظام علي عبد الله صالح السلطوي الفردي الفاشل، ثم بعد رحيله مع الثورة المضادة الإقليمية، وأدواتها الداخلية من أنصار صالح وحلفائه الحوثيين السابقين، والمليشيات الانفصالية، والإمكانيات الهائلة التي سخرتها دول التحالف؛ لا لهزيمة حلفاء إيران بل لاستئصال المقومات الوطنية للدولة اليمنية ولنظامها الديمقراطي.

في السادس والعشرين من آذار/ مارس 2015 بدأ تحالفٌ عربيٌ واسع بقيادة المملكة العربية السعودية تدخلاً عسكرياً في اليمن، استبشر به معظم اليمنيين ورأوا فيه تحولاً إيجابياً في موقف المملكة التقليدي من اليمن، لأنه يستهدف خطراً مشتركاً في المقاوم الأول، ولأن السعودية صاغت اتفاق المبادرة الخليجية ورعته، وكان دورها جوهرياً وحاسماً في إجبار رجلها القديم علي عبد الله صالح على ترك السلطة بموجب ذلك الاتفاق في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011.

ومن المؤسف أن ذلك التدخل العسكري وبعد ثماني سنوات من الحرب، لم ينقذ اليمن ولم يخرجه من أزمته ومحنته الإنسانية العميقة، كما لم يضف للمملكة مكاسب جيوسياسية، ولم يمكنها من حيازة أوراق ثمينة في معركة النفوذ الإقليمية التي تخوضها مع الجمهورية الإسلامية على مستوى المنطقة.

والعكس هو الصحيح، فقد تمكنت إيران من تجيير مسار الحرب في اليمن لصالحها، عبر حرب الوكالة التي خاضتها طهران في هذه المنطقة من العالم، بأقل التكاليف، واختبرت فيها أسلحة قد لا تكون حاسمة، ولكنها مؤثرة، واستطاعت أن تنقل من خلالها الحرب إلى عمق المملكة، بل إنها وضعت إيران وجهاً لوجه مع المملكة في مواجهة عسكرية مباشرة كانت ساحتها أهم المنشآت النفطية العملاقة الواقعة في شرق المملكة.

ورغم كل ذلك لا تزال السعودية تظهر استخفافاً قلّ نظيره من حليف بحق حلفائه، وتدير معركتها الدبلوماسية حول مستقبل الحرب في اليمن، بأريحية كاملة، رغم استمرار نزيف اليمنيين، ورغم الوطأة القاسية لظروف الحرب عليهم وعلى اقتصادهم ومعيشتهم.

وإذ يتذكر اليمنيون في شهر آذار/ مارس التضحيات التي بذلوها على مذبح الحرية والكرامة، وكيف اجتمعت عليهم القوى الإقليمية والدولية، لكيلا يصلوا إلى أهدافهم، ها هي السعودية، المتدخل الأكثر تأثيراً في بلدهم، تواصل وبأريحية لافتة، إدارة المشهد اليمني المنقسم والمضطرب، وتستمر في تنفيذ مخطط إنهاء الحرب وفقاً لأولوياتها فقط.

العودة لمهاجمة السعودية كما يُلوح بعض قادة الجماعة، بما تقتضيه من استعداد لتحمل عبء المواجهة العابرة للحدود، لا تزال مرتبطة بطهران أكثر من ارتباطها بقيادة جماعة الحوثي في صنعاء. إذ أن ذلك يحتاج بالضرورة إلى تنسيق مع الداعم الإقليمي لتضمن الجماعة تدفق الصواريخ والطائرات المسيرة، وتضمن استمرار معركة الاستنزاف التكتيكية والاستراتيجية ضد السعودية
ولدى الرياض اليوم شعور وإن مؤقت بالطمأنينة بأن مخططها لن يصطدم بتطورات خطيرة؛ كتلك التي عاشتها منذ العام 2019 بتأثير المتدخل الإقليمي السيئ الآخر، إيران، والذي بسببه تعرضت المملكة لهجمات بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة في عمقها، ونسبت تلك الهجمات لجماعة الحوثي، رغم علم المطلعين على مجريات الحرب اليمنية، بأن الجماعة لا تبدو مستقلة أبداً فيما يتعلق بالخيارات الاستراتيجية للحرب العابرة للحدود.

وهذا يعني أن العودة لمهاجمة السعودية كما يُلوح بعض قادة الجماعة، بما تقتضيه من استعداد لتحمل عبء المواجهة العابرة للحدود، لا تزال مرتبطة بطهران أكثر من ارتباطها بقيادة جماعة الحوثي في صنعاء. إذ أن ذلك يحتاج بالضرورة إلى تنسيق مع الداعم الإقليمي لتضمن الجماعة تدفق الصواريخ والطائرات المسيرة، وتضمن استمرار معركة الاستنزاف التكتيكية والاستراتيجية ضد السعودية لفترة طويلة.

ومع ذلك لا نستطيع أن ننكر أن جماعة الحوثي تترقب نتائج إيجابية للاتفاق السعودي الإيراني، في حين تسيطر المخاوف على الشعب اليمني، من نتائج ذلك الاتفاق الذي ذكرهم بأحزان كثيرة، ومعه يتكرس لديهم الإحباط من إمكانية الوصول إلى نهاية للحرب تلبي تطلعاتهم الوطنية، في ظل الهيمنة المطلقة للرياض على الطبقة السلطوية التي تتصدر مهمة إدارة الدولة اليمنية بإرادة متضادة وطائشة وعبثية، وتقف على أرضية متصدعة، بسبب الانقسام الموجه.

twitter.com/yaseentamimi68
التعليقات (0)