مدونات

حكاية إيريز

هادي الأحمد
معبر إيريز- أ ف ب
معبر إيريز- أ ف ب
هي ليست قصة فتاة أجنبية جذّابة الملامح، حلوة جميلة يطير العقل من شدة جمالها، لمعانها كنجمة في ليلة صافية، أو هي كشمس في نهار يوم مشمس، ساطعة مشرقة، إنما هي قصة عن ذلك المعبر، ذلك الحاجز الذي فرضه قانون المحتل الصهيوني على المواطن الفلسطيني النبيل، ذلك الحاجز الواقع مكانيا بين غزة هاشم والمكان الذي يغتصبه الصهاينة من فلسطين، عنوة وتجبرا وغصبا، فزمن القوة هو الذي نعيشه اليوم.

تبدأ حكاية اليوم وهي مطابقة من حيث الواقع والحقيقة للكثير من قصص المعاناة التي يعيشها الأخ الفلسطيني والأخت الفلسطينية على أيدي سفاحي بني صهيون. قصة فاطمة تلك الأم النبيلة التي تعمل لتعيل عائلتها المكونة منها ومن زوجها محمد وطفلهما، الذي كانت تعيش مع والده حلم قدومه إلى الدنيا، إلى هذه الحياة رغم مرارتها وقسوتها، هو في التوقع أول الأبناء، حلم الغد وحلم العيلة التي أثمره الزواج الطيب من الزوج المكافح محمد.

تبدأ فاطمة يومها منذ الصباح الباكر، تستيقظ وتدعو الله بالتوفيق والفلاح، تجهز لمحمد زوّادته ليبدأ كل منهما يومه؛ هو في أعمال البناء في قطاع غزة، وهي في أحد المصانع المحاذية تماما لحاجز يدعى إيريز. تمشي فاطمة حالمة مبتمسة، وهي حامل، هو تعب مضنٍ والكل يهون لأجل الطفل المنتظر، تمشي وكلها تفاؤل رغم الصعوبة رغم المشقة، هذا هو الإنسان الفلسطيني نبيل دائما حتى في شدة الحياة وأعاصيرها، أصعبها جنون المحتل الصهيوني الذي يقف بنو جلدته حراسا على إيريز وبواباته، وفي أرض فلسطين.

فعلا ظالمة هي الحياة وبشدة. تصل فاطمة إلى بوابة المصنع بعد أن صعدت باص العمل مع زميلاتها حيث تعمل في صناعة الصابون، ترمقها منذ فترة مجنّدة صهيونية اسمها شانيت، نظرة تلك الشانيت ليست مريحة إلى فاطمة الأم الطيبة، لكن يجب عليها التحمل والصبر. فجأة تتحرك شانيت تتجه مسرعة إلى حيث تهمّ فاطمة بالدخول من بوابة المصنع بعد أن نزلت من باص العمل، تعد فلسطين المحتلة كلها بلدها هذه الشانيت، أسف وحسرة وحزن في عمق الوجدان. تصل الشانيت إلى فاطمة بسرعة كبيرة، تحتك بها لفظيا قبل أن تجيب فاطمة أو تحرك ساكنا للدفاع عن نفسها، تهم الشانيت بضربها ركلات وضربات شديدة الوقع على جسد الأم المنهكة أصلا من لطمات الحياة، دون سبب تستدعي الشانيت اثنين من أبناء جلدتها الصهيونية، يرفعون السلاح في وجه من كان موجودا من رفيقات فاطمة، تستمر في تبيان مشاعر العداء لفاطمة.

تسقط فاطمة على الأرض من شدة الضربات، تشتم تسب الشانيت ومعها رفيقيها بعبارات نابية. منذ متى أصلا احترم الصهاينة العرب والعروبة التي تهرول إليهم زحفا بمد الأيدي إلى السلام، تغادر الشانيت والرفيقان، تُحمل فاطمة على عجل من رفيقات العمل وسائق باص المصنع إلى حيث أقرب مستشفى، بسرعة وجدوا إحدى الممرضات، طلبوا استدعاء الأطباء فالحالة حرجة. يحضر الأطباء المناوبون، محاولين استدراك الموقف، إعادة الأمل إلى الأم فاطمة، تبذل كل الجهود المرافقة للإمكانات المتواضعة في قطاع غزة المحاصر، تلفظ فاطمة أنفاسها، ومعها ابنها، ذلك الأمل وذلك الجنين ذلك الذي كان منذ لحظات حلما قد يتحقق ويتم انتظاره بكل عبارات اللهفة.

تسيطر مشاعر الألم والأسى على كل الموجودين في المركز الصحي، تنهمر الدموع. هل تعيد الدموع فاطمة؟ هل تعيد الدموع ذلك الجنين الذي كان في الأشهر الأخيرة من الحمل في بطن أمه فاطمة الشهيدة؟

يتم إخبار الزوج محمد، يحضر، ينهار مع انهيار حلم الأبوّة وحلم العائلة السعيدة، يدخل في دهشة وصفنة طويلة، يطبطب الأطباء على كتفه لكنه لا يحس بذلك، هناك وجع كبير هو محمد.

هذا مشهد واقعي بكل تأكيد عن المأساة اليومية التي يعيشها أخي وأختي الفلسطينيان، أين؟ في أرضهم في بلدهم فلسطين المحتلة، على يد صهيونية سادية مجرمة، تركض العروبة اليوم للمصافحة معها، مع نفس اليد وأصابعها، مع شانيت التي قتلت الأم فاطمة وابنها ذلك الجنين النبيل، قتلتهم قصدا. من يحاسب الشانيت ورفقاءها؟ الإجابة: لا أحد، ربما أغلب الظن أن هذا الزمن المعاش حاليا هو زمن الشانيت بامتياز.. هو زمن عالم كثير الدجل شديد النفاق.. الكل فيك يا عالم اليوم يرتجف من الشانيت، إلا أنت يا فاطمة وأمثالك من نبلاء فلسطين، زمن اليوم ليس زمنك يا فاطمة، لا أنت ولا جنينك، هو زمن القوة زمن الفتونة والتشبيح بطبع سادي اخترعه للحياة الجديدة هرتزل وأحفاده الجدد.

رحمك الله وجنينك فاطمة ورحم أمثالك من شهداء فلسطين، لكم وللأقصى الشريف ولك يا فلسطين الأم الصابرة صبر أيوب؛ الله سبحانه، وكما قيل للكعبة رب يحميها، فالأكيد أن لفلسطين ولكل نبيل فيها دائما الله تعالى وسوف يحميها، بكل ما فيها.

دائما إلى زوال أنت شانيت وكل شلتك الصهاينة مثلك طبعا وسلوكا وإن طال الزمن، إن الله تعالى دائما مع الصبر والصابرين والأقصى الشريف وأبناء فلسطين هم أحسن الصابرين، وأكثر الواثقين بتحقق وعده سبحانه لا يخذل عباده أبدا وإن بعد حين. بعد الليل دائما يأتي ضوء النهار، بعد تلك العتمة شديدة السواد يأتي ذلك الضوء ليعطي بداية جديدة، هذا أكيد وما سوف يحدث يا شانيت المجرمة، كلنا ثقة.. واهمة أنت، اقرئي طبع الحياة بصورة صحيحة..

ناموا أيها العرب ما فاز إلا النيام النوّم، لذيذ هو النوم يا عروبة اليوم، وغدا، العربي الأصلي لا يحني الرأس إلا ساجدا لله وحده فقط، لا أمل أبدا بمد اليد إلى شانيت، خداعة هي أكثر من الثعلب الماكر.

وهْم أنت يا شانيت وإن ظننت نفسك حقيقة، المرآة التي تستخدمينها ربما محدبة غير مستوية وتعطيك رؤية ضبابية دائما، أنت سراب وفاطمة النبيلة وجنينها هما الحقيقية بكل معانيها، قرّي عينا يا فاطمة الشهيدة وجنينك هو الشهيد.
التعليقات (1)