مقالات مختارة

التضليل في محاولة "تغيير الموضوع" من حكم المحكمة إلى الأونروا

إبراهيم نوار
لفت الكاتب إلى أن دولة الاحتلال تكره المنظمات الدولية- الأناضول
لفت الكاتب إلى أن دولة الاحتلال تكره المنظمات الدولية- الأناضول
تكره إسرائيل المنظمات الدولية، إلا إذا سيطرت عليها. إنها تكره الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأنها تمثل العالم وهي تكرهه. وتكره مجلس الأمن الدولي لأن فيه روسيا والصين ودول أخرى لا تراها جديرة بالتمثيل فيه، وتستعين بالفيتو الأمريكي لوقف قراراته ضدها. وتكره اليونسكو لأنها تذكّر العالم باغتصاب إسرائيل تاريخ فلسطين وأرضها وحضارة شعبها. وتكره منظمة غوث اللاجئين لأنها تكره الفلسطينيين ولا تطيق وجودهم؛ لأنها تعتبر وجودهم نفيا لوجودها. وتكره محكمة العدل الدولية لأنها رأس النظام القضائي للنزاعات بين دول العالم. كما أن إسرائيل تكره وجود نظام دولي، لأن أي نظام يقوم على قواعد المساواة وعدم التمييز، وإسرائيل تكره المساواة وعدم التمييز. إنها تريد أن تكون الخصم والحكم وأداة التنفيذ. إسرائيل لديها أيضا حزمة من التهم الجاهزة توجهها إلى من تشاء، وتصرخ دائما من جحر الضحية، حتى وهي تأكل ضحاياها لحما نيئا. وقد حملت إلينا حرب غزة الكثير من مظاهر الوحشية الإسرائيلية المتسترة بثياب التضليل والاحتيال. وكشفت الدعوى التي أقامتها ضدها حكومة جنوب افريقيا، كيف تنظر إسرائيل إلى العالم وكيف تتعامل مع القانون الدولي.

ناليدي بندور وزيرة خارجية جنوب افريقيا ميزت بين نوعين من الدبلوماسية إزاء حرب غزة، الأول هو ما يمكن أن نطلق عليه «دبلوماسية المتفرجين»، والثاني هو ما يمكن أن نطلق عليه «الدبلوماسية النشيطة». وقد اختارت جنوب افريقيا النوع الثاني، لأنها رأت استحالة أن تكتفي بإصدار البيانات وإلقاء الخطب، وهو ما يمثل عرض بضاعة مكررة في سوق بائرة، ولم تقبل أن تتخذ موقف المتفرجين إزاء جريمة إبادة جماعية تعرض لها شعبها خلال سنوات الكفاح ضد نظام التفرقة العنصرية، الذي فرضه الأوروبيون البيض على الأفارقة. وتعني الدبلوماسية النشيطة استخدام المعطيات القائمة كافة، بما فيها المنظمات الدولية من أجل الانتصار للحق، موقف جنوب افريقيا جاء على عكس الدول العربية، بما فيها المتضررة مباشرة من حرب غزة، التي اختارت لنفسها ممارسة «دبلوماسية المتفرجين» العقيمة.

يحمل قرار محكمة العدل الدولية إدانة ضمنية لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطين
اليوم يجتمع مجلس الأمن الدولي لمناقشة قرار محكمة العدل الدولية، بناء على طلب الأمين العام، الذي أحال القرار للمجلس فور صدوره، وطلب الجزائر التي تمثل المجموعة العربية، حيث تقدمت هي أيضا بطلب مناقشة القرار في مجلس الأمن. ولا يوجد حتى وقت كتابة هذه السطور مشروع قرار للتصويت عليه بخصوص الإجراءات التنفيذية للحكم، ما يعني أن المناقشة يمكن أن تسفر عن إصدار بيان يعيد التأكيد على ما جاء في حكم المحكمة، ويؤكد أنه ملزم واجب النفاذ. هذه الخطوة بنقل قرار محكمة العدل الدولية للمناقشة في مجلس الأمن، تحمل قيمة معنوية، وتعزز النقاش الدائر بشأن ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، لكن ما يضيف أسنانا أو مخالب إلى الحكم هو، إصدار قرار بواسطة مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار فورا، وتشكيل قوة دولية لحفظ السلام، باعتبار أن ذلك يمثل الشرط المسبق لتنفيذ ما جاء في حكم المحكمة.

حرب غزة والهولوكوست
جاء صدور قرار محكمة العدل الدولية الذي يحمل إدانة ضمنية لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، في اليوم السابق للاحتفال السنوي بذكرى الهولوكوست، وهو اليوم الذي يتذكر فيه العالم مذابح النازي ضد اليهود في أوروبا. هذه المصادفة التي تجمع بين اتهام إسرائيل بارتكاب مذابح إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وذكرى الهولوكوست تذكِّر العالم بأن الضحية قادرة على ممارسة دور الجلاد، وأن إسرائيل في هذه الحالة تمارس دور الجلاد على شعب بريء احتضن اليهود وعاش معهم آلاف السنين، وليس له أي ذنب على الإطلاق في المذابح التي ارتكبها أوروبيون ضد اليهود. قد تشعر ألمانيا على سبيل المثال بالذنب تجاه اليهود بسبب النازي، لكن هذا أدعى بها أن تعمل لمنع جرائم الإبادة الجماعية وليس تأييدها، ذلك لأن التاريخ لم يتوقف عند الهولوكست، ويجب عدم السماح لإسرائيل أو تأييدها في ارتكاب مذبحة ضد شعب آخر، اغتصبت أرضه وشردته وتحاول الآن إبادة هويته تماما. في هذا السياق فإن حكم محكمة العدل الدولية يكتسب دلالة رمزية قوية لأن صدوره جاء عشية ذكرى الهولوكوست. ويبدو لي أن هذه المصادفة التي جمعت بين الحكم وذكرى الهولوكوست كانت واحدة من الأسباب وراء إعداد خطة سياسية وإعلامية مشتركة مضادة، تبنتها إسرائيل والولايات المتحدة من أجل تقليل الضرر الذي لحق بإسرائيل من القرار. وقد تم إعداد هذه الخطة المضادة بمهارة فائقة لتحقيق هدفين في آن واحد. الهدف الأول هو الطعن في مصداقية الأمم المتحدة ومنظماتها، ومنها محكمة العدل الدولية. والهدف الثاني هو تغيير موضوع الخطاب العام في الإعلام العالمي، عن طريق إغراقه في مناقشة قضية أخرى غير حكم محكمة العدل الدولية. «تغيير الموضوع» هو تكتيك تقليدي في السياسة على كل المستويات، للهروب من مناقشة موضوع لا يريد أحد الأطراف مناقشته، فيشغل العالم بموضوع آخر غير الموضوع المطلوب التهرب منه. ويتم استخدام تكتيك «تغيير الموضوع» على نطاق واسع بواسطة الحكومات والأجهزة التي تسعى لتضليل الرأي العام والتغطية على فشلها أو جرائمها. وهناك وسائل كثيرة يتم استخدامها لتحقيق الغرض من تغيير الموضوع، تصل إلى حد افتعال جرائم، أو خلق أحداث تؤدي إلى صرف الرأي العام العالمي عن الموضوع الرئيسي. وقد بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي باتهام قضاة محكمة العدل الدولية بالعداء للسامية، كما اتهم العالم كله قائلا، إنه رغم مرور عقود على الهولوكوست، فإن حكم المحكمة يثبت أن العالم لم يتعلم بعد الدروس التي ينطوي عليها. واستخلص من ذلك أن إسرائيل تواجه خطرا وجوديا، ليس من «الإرهاب» فقط، ولكن أيضا من هؤلاء الذين يقدمون وصفة تمهد لارتكاب هولوكست جديد بواسطة الفلسطينيين! وانتشرت في تصريحات نتنياهو والمسؤولين الأمريكيين عبارات متشابهة المعاني، تؤكد أن حق إسرائيل في الدفاع نفسها يعلو على التزامها بقواعد القانون الدولي، وأن نزعة العداء للسامية منتشرة في المنظمات الدولية، وأن حكم محكمة العدل الدولية منعدم القيمة، لأنه يدعو إسرائيل للالتزام بالقانون الدولي، بينما هي ملتزمة به إلى أقصى حد. ووصل الأمر إلى أن جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي قال، إن الولايات المتحدة لا ترى في ما تفعله إسرائيل في غزة ما يخالف قواعد القانون الدولي، أو يدل على أنها ترتكب جرائم إبادة جماعية، وإن سياسة إسرائيل في الحرب هي تقليل عدد الضحايا المدنيين بقدر ما تستطيع، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة بما يكفي. الولايات المتحدة ترى ما لا يراه العالم، وما لم يره قضاة محكمة العدل الدولية. ونتوقع أن يكون ذلك هو خط الولايات المتحدة اليوم في مناقشة قرار محكمة العدل الدولية.

اظهار أخبار متعلقة


كراهية إسرائيل للأونروا
وللطعن في مصداقية العمل الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة في غزة، تم تنشيط الادعاء بأن بعض موظفي منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» شاركوا في عملية «طوفان الأقصى». وقدمت إسرائيل بالفعل أسماء عدد من الموظفين الذين ادعت أنهم قاموا بدور في العملية، كما قدمت شهادة نسبتها إلى واحدة من المحتجزات، ممن تم الإفراج عنهن قالت فيها إنها تم احتجازها في مسكن لواحد من العاملين في «الأونروا». وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة تجري تحقيقا بشأن هذه الادعاءات، وقامت بالفعل خلال التحقيق بوقف المدعى عليهم وفصلهم من العمل، وقالت إن من يثبت مشاركته في العملية ستتم محاكمته جنائيا، فإن الولايات المتحدة فجرت قنبلة سياسية في الموضوع بإعلان توقفها عن تمويل «الأونروا»، وأرفقت قرارها بدعوة الدول الغربية إلى أن تحذو حذوها، فانضم إليها بالفعل حتى وقت كتابة هذه السطور عشر دول، أعلنت التوقف عن تمويل منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين. ما قامت به الولايات المتحدة والدول التي انضمت إليها يمثل عقابا جماعيا ضد اللاجئين الفلسطينيين جميعا، على النسق نفسه الذي بمقتضاه تقوم إسرائيل بأعمال إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، بزعم الحرب على حماس، ذلك أن «الأونروا» هي التي تقدم الدعم الإنساني الأساسي للفلسطينيين، وفي حال جفاف مواردها المالية فإن دورها سينتهي وتتوقف عن العمل في الأسابيع القليلة المقبلة، وهو ما تسعى إليه إسرائيل. إسرائيل لا تريد بقاء الأونروا لأنها شريان بقاء الفلسطينيين في المخيمات، الأونروا هي التي تقدم الغذاء والكساء وخدمات التعليم والرعاية الاجتماعية وغير ذلك من سبل الحياة الأساسية. وفي موتها يسهل تهجير مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من أرضهم بسهولة لأن حياتهم فيها ستكون مستحيلة.

المصدر: القدس العربي
التعليقات (0)