كتاب عربي 21

حركة الاحتجاج المصرية في عامين (1/3)

شريف أيمن
1300x600
1300x600
مرت حركة التظاهر بمصر منذ الثلاثين من يونيو بثلاث مراحل، وكان النظام الناتج الأكثر تحكما بدفة الإطار العام لها، وإن لم يقدر على كبتها مطلقا طوال عامين تقريبا، ويمكن إجمال تلك المراحل فيما قبل فض الاعتصامات، ثم ما بعد الفض وحتى السادس من أكتوبر من نفس العام، والمرحلة الأخيرة ما بعد السادس من أكتوبر وحتى أوائل عام 2014، ولكل مرحلة منهن خصائصها مع الأخذ في الاعتبار ما سبق ذكره بأن النظام هو صاحب الفعل فحافظ بذلك على الإطار العام للمشهد، دون التحكم بكل تفاصيله.

بنهاية المرحلة الثالثة والتضييق التام على الحريات مع عنف غير محدود من قبل النظام، انتقلت حركة الاحتجاج من الهتاف للمقابلة بالمثل، وأصبح صخب ما يسمى بالعمليات النوعية أكبر من ذي قبل وربما يمكن مقارنته بالتظاهرات الموجودة بالشارع قبل هذا التطور.

تمهيد

احتشد كل طرف قبيل الثلاثين من يونيو في الميادين، ورغم حضور الطرف الرافض لبقاء الرئيس المعزول بكثافة إلا أنه تم تضخيم حجمه بشكل مبالغ فيه، وقد اعتمدت لفظ الرفض لأن هناك من كان غير غاضب من سياسة الدولة بقدر سخطه على الثورة من جانب، وعلى الإخوان من جانب آخر، وكلا الطرفين كانا من عوامل الحشد الكبير والفاعلية في المشهد، وقد اتخذ الرافضون كل أماكن تجمعات الثائرين في الخامس والعشرين من يناير بالتحرير وباقي المحافظات، بالإضافة لقصر الاتحادية والأهم إضافة مكان جديد وهو وزارة الدفاع.

الاعتصام الذي كان عند الوزارة كان محدودا مقارنة بغيره إلا أنه كان مثيرا للتأمل في دلالاته؛ فالعسكر لم يسمح بالاقتراب من أسواره لاعتصام منذ ثورة يناير، وما تم مع اعتصام أنصار المرشح الرئاسي السابق حازم أبو إسماعيل يبيّن موقفهم من الاعتصامات هناك بجلاء تام، إلا أنه هذه المرة حمل دعوة واضحة للتدخل العسكري لحسم الخلاف "السياسي - المدني"، والموافقة على إقامته وبقائه كان بمثابة إشارة قبول للدور المطلوب وتلبية مطالب الشعب "الذي لم يجد من يحنو عليه"، وقد وجدنا فيما بعد التعبير المتكرر الناتج عنه "الاستدعاء الشعبي" ولا حاجة مع الاستدعاء لبرامج انتخابية أو بيان الرؤية لإدارة الدولة كما ظهر بعد ذلك، بالمقابل اعتصم أنصار النظام بميداني رابعة العدوية والنهضة.

تواجد أفراد المؤسسة الأمنية في هذا الموقف الملتهب كان لافتا للنظر ومنحازا والأسوا أنه كان فاقدا لتقدير حجم الأزمة وأهمية الانتماء للوطن وتنحية الاعتبارات السياسة، ففي التحرير كان الضباط يتظاهرون بزيهم الرسمي، ولا حديث ههنا عن مخالفة ذلك للأعراف واللوائح الخاصة بالمؤسسة الأمنية، في حين غاب مثل ذلك التواجد بوسط داعمي النظام بذلك الوقت رغم كل ما قدمه النظام حينها من دعم، بل حتى تغاضيه عن المحاسبة والقصاص لشهداء الثورة، وانتشر الجيش في ربوع الوطن ويوم الانتشار عنونت صحيفة جماعة الإخوان صفحتها الرئيسية بمانشيت "الجيش يبدأ الانتشار لحماية الشرعية"، ثم خرجت تظاهرات الثلاثين من يونيو وما صاحبها من حشد كبير وكذلك مبالغات ومغالطات مهولة في حجمها الحقيقي، وكانت استجابة المؤسسة العسكرية سريعة للغاية، إذ صدر ما سُمي ببيان (الثمانية والأربعين ساعة) ويبدو أن سرعة الاستجابة كانت نتاجا لاتخاذ موقف مسبق من الاحتجاجات ووجود نية للتعاطي مع الشأن السياسي، وقد اتضح ذلك فيما بعد من التسريبات الأخيرة لمكتب وزير الدفاع آنذاك، وكذلك كانت السرعة نتاجا لرصد طبيعة الرافضين للنظام، إذ كان الأغلب في التقدير أنهم لن يدخلوا في مواجهة سياسية ممتدة لشهور، وربما لن تتكرر الفرصة ثانية فكان الثالث من يوليو.

المرحلة الأولى: ما قبل فض الاعتصامات

عاد الذين احتشدوا ضد النظام -الذي سقط- إلى منازلهم سريعا، وبقي مؤيدوه في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر شرق القاهرة وميدان النهضة بالجيزة، والأخير كان في مجمله للسلفيين -من غير حزب النور طبعا- وانطلقت حركة الاحتجاج ضد النظام الجديد الذي فرض نفسه بقوة السلاح مع وجود ظهير جماهيري رافض للنظام المعزول، وإن خرجت من بينهم أصوات رافضة لما قام به العسكر من تدخل في الحياة السياسية، إلا أنه كان على استحياء.

كانت حركة الاحتجاج محدودة ومقتصرة في أغلبها على الإسلاميين، وتعلقت المحدودية بعدة اعتبارات: منها ما تعلق بالأداء الاقتصادي والسياسي الهزيليْن للنظام وظهوره بمظهر العاجز عن إدارة الدولة كأزمتي البنزين والكهرباء اللتين سبقتا الخروج ضده، ومنها ما تعلق بالخلاف الحاد مع الإخوان كتيار لم يتفاعل بالشكل الكافي مع الحركة الثورية من بعد التنحي، ومنها ما تعلق بالتشويه غير الأمين للإخوان باعتبار الخصومة معهم لا غير، وكذلك ما تعلق بحالة اليأس والإحباط عند الكثيرين ممن شعروا بأن الدولة تدار بصراع بين أقطاب كبيرة ولا مكان لغيرهم، ووصلت حالة اليأس والإحباط حتى لأفراد الجماعة التي قدّرتْ داخليا نسبة المحجمين عن التواجد في المظاهرات والاعتصامات -حينها- بـ 40% من أعضائها، يتحدث البعض عن وصولها الآن لـ 75%.

التظاهرات والتفاعلات التي تمت طوال فترة الاعتصام لم ترْق لأن يُعبّر عنها بأنها تمثل إرادة شعبية مغايرة لما حدث، كما هو الحال بالنسبة للحركة الأخرى التي لم ترْق كذلك للتعبير عنها بأنها حالة إجماع وطني كامل لا يحتاج لممارسة انتخابية منضبطة يمكن بها الاطمئنان لأعداد الرافضين، المشاركة رغم محدوديتها تم دعمها بمشاركة الأقاليم والمحافظات في الاعتصام بميدان رابعة والتظاهرات الداخلة إليه والخارجة منه، إلا أن الملاحظ أن نسبة الاحتجاج والمشاركة كانت تتزايد مع العنف الأمني؛ فبعد كل من مجزرتي الحرس الجمهوري والنصب التذكاري اختلفت نسبة ونوعية المشاركين، إلا أن المشاركة ظلت في دائرة يعبّر عنها بالاحتجاج الذي يعلو صوته تدريجيا ولكنه لا يزال خافتا.

يتبع...
التعليقات (0)