ملفات وتقارير

لماذا تتعنّت الإمارات بالإفراج عن معتقلين انتهت محكومياتهم؟

العام 2022 سيشهد انتهاء محكومية 42 معتقلا جميعهم باستثناء واحد موقوفون على قضية "جمعية الإصلاح"- وام

تواصل السلطات الإماراتية التعنت بالإفراج عن معتقلي الرأي، ممن انتهت محكومياتهم، رغم أن بعضهم أتمّ مدة حكمه منذ أكثر من 3 سنوات.

وبحسب ما اطلعت "عربي21"، فإن 19 معتقلا في قضيتي "جمعية الإصلاح"، و"شباب المنارة"، أنهوا محكوميتاهم، إلا أن السلطات لا تزال تعتقلهم.

ويخشى حقوقيون من أن الإمارات تضغط على من انتهت محكوميته للخروج في فيديوهات مصورة تتبرأ من جماعة الإخوان المسلمين وتهاجمها، على غرار ما فعل مع ثلاثة من المعتقلين؛ بدر البحري، وأسامة النجار، وعثمان الشحي، عند بث تسجيلات لهم تهاجم دعوة الإصلاح، مع صدور قرار رئاسي بالعفو عنهم.

واللافت أن اثنين من الثلاثة أعلاه أفرج عنهما بعد أكثر من سنتين على انتهاء محكومياتهما.

مركز مناصحة
أصدر رئيس الإمارات، في العام 2014، قانون مكافحة الجرائم الإرهابية، وفي 2019، مرسوم إنشاء مركز المناصحة، والهدف منه "هداية وإصلاح المحكوم عليهم في الجرائم الإرهابية أو من توافرت فيهم الخطورة الإرهابية".

الناشط الإماراتي المقيم في تركيا، حمد الشامسي، قال إن هناك قصورا في تطبيق قانون "إنشاء المركز الوطني للمناصحة"، مضيفا أن المادة 8 من هذا القانون تنص على أن الأشخاص المدانين بقضايا إرهابية (المحكوم عليهم بالخطورة الإرهابية) يتم إيداعهم بهذا المركز، إلا أن الحقيقة هي وجود هؤلاء المعتقلين في منشآت عقابية، جلّهم في سجن الرزين.

الشامسي المحكوم غيابيا بالسجن 15 سنة في قضية "جمعية الإصلاح"، ألمح في حديث لـ"عربي21"، إلى أن الإمارات تطبق بحق المنتهية محكومياتهم ما يعرف عالميا بـ"الاعتقال الإداري"، إذ يمدد النائب العام توقيف المعتقلين كل ستة شهور، لزعمه أن خطرهم لا يزال قائما.

وأضاف أن "النيابة العامة تستخدم مواد هذا القانون لابتزاز المعتقلين؛ حتى يقوموا بتسجيل أقوالهم التي تستخدم للتشهير بهم، كما فعلت مع البحري والنجار وعثمان الشحي، الذين قضوا أكثر من سنة في منشأة عقابية بعد انتهاء فترة محكوميتهم".

اقرأ أيضا: هكذا تم تعذيب المعتقلة الإماراتية علياء عبد النور قبل وفاتها

تضييق ومراقبة
برّأت محكمة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا بأبو ظبي 25 شخصا، بينهم 13 امرأة، بعد زج أسمائهم في قضية "دعوة الإصلاح". والتشهير بهم في وسائل الإعلام الرسمية

يقول حمد الشامسي إن السلطات الإماراتية لم تعامل جميع من برّأتهم المحكمة بالأسلوب ذاته، إلا أن "أغلبهم لم يسمح له بالسفر، ولم يعط جواز سفره، ومنهم لم تجدد بطاقة هويته التي من خلالها يستطيع فتح حساب بنكي أو تجديد رخصة قيادته، وممارسة حياته الطبيعية".

وأضاف أن "بعض هؤلاء حرموا حتى من الحصول على العمل، ومنهم لم يمنح الموافقة الأمنية التي تعدّ شرطا من شروط إشغال الوظيفة العامة و حتى الخاصة".

وتابع بأن "الذين أفرج عنهم العام الماضي (ابن صبيح، النجار، والبحري، والشحي)، هم تحت الملاحظة الشديدة، وممنوعون من استخدام برامج التواصل الاجتماعي".

عدد المعتقلين
بحسب ما رصدت "عربي21"، فإن عدد المعتقلين الحاليين في الإمارات على خلفيات سياسية، 106 معتقلين، بينهم سيدتان (أمينة العبدولي، ومريم البلوشي).

ومن بين الـ106 معتقلين الحاليين، هناك 68 من قضية "دعوة الإصلاح"، و30 من قضية "شباب المنارة"، وثمانية موقوفون على ذمة قضايا سياسية أخرى.

ويأمل أهالي المعتقلين بأن تتوقف مماطلة السلطات في الإفراج عن المنتهية محكومياتهم، لا سيما أن العام 2022 سيشهد انتهاء محكومية 42 معتقلا، جميعهم باستثناء واحد موقوفون على قضية "جمعية الإصلاح".

إدانات واسعة
أدانت منظمات حقوقية تعامل السلطات الإماراتية مع ملف الحريات، متهمة أبو ظبي بالقيام بحملات اعتقال بشكل تعسفي، تليها ظروف احتجاز وتحقيق سيئة للغاية، قبل الانتقال إلى محاكمات صورية منحازة.

وقالت منظمة العفو الدولية "أمنستي" إنها وثقت العديد من الحالات التي أهدرت فيها حقوق المعتقلين؛ ففي هذه الحالات، التي كان جهاز أمن الدولة هو المسؤول عن معظمها، ألقِيَ القبض على الأشخاص بدون أمر قضائي، واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسابيع أو شهور، وتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة. وفي بعض الحالات، كابد المحتجزون ظروفا مهينة في الحجز.

فيما ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن "حرمان المعتقلين من الحرية لسنوات طويلة بعد انتهاء أحكامهم يُظهر ازدراء صارخا لسيادة القانون. لهؤلاء الرجال جميعهم حياة وعائلات ليعودوا إليها، وينبغي ألا يواجهوا احتمال الاحتجاز إلى أجل غير مسمى، وهو أمر قاس وغير قانوني".

وقالت المنظمة إن السلطات الإماراتية لفقت التهمة للمدانين في قضية دعوة الإصلاح "التنظيم السري"، ونزعت منهم اعترافات بالقوة بنيتهم قلب نظام الحكم في البلاد.

وأدلى مجموعة من المعتقلين بشهادات أمام القاضي في أولى جلسات المحكمة، حول تعرضهم لأصناف من التعذيب الشديد لنزع الاعترافات منهم بالقوة.


خلفية
يشار إلى أن أعضاء جمعية الإصلاح الذين اتهمتهم المحكمة بإنشاء تنظيم سري، جلهم من الأكاديميين، والمسؤولين التربويين، والدعاة، وقسم منهم من شاغلي المناصب الحكومية في عدة مجالات.

وكانت الحكومة الإماراتية بدأت بالتضييق على جمعية الإصلاح منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وبعد صدور عريضة تطالب بالإصلاح وانتخابات حقيقية، تبنتها الجمعية، ووقع عليها نحو ألف مواطن في آذار/ مارس 2011، بدأت أبو ظبي حربها العلنية ضد الجمعية، بسحب جنسيات 6 من أعضائها، قبل الزج بالعشرات منهم في السجن.

فيما جاءت الأحكام ضد قضية "شباب المنارة" أقسى، إذ حُكم على 9 منهم بالسجن المؤبد (25 سنة)، وفي مقدمتهم الشيخ خالد كلنتر، وأبناؤه.

وهذه القضية تعود إلى اتهام السلطات الإماراتية، في آذار/ مارس 2016، 37 مواطنا، وإيرانيين، وسوريّا، وآخر من جزر القمر، بالتخطيط للانقلاب على نظام الحكم، وإنشاء دولة "خلافة إسلامية".

وقالت المحكمة إن المقبوض عليهم شكّلوا مجموعات، وعثر بحوزتهم على أسلحة ومتفجرات، وهو ما ينفيه حقوقيون أكدوا تلفيق التهم لهذه المجموعة.

ومسمّى "المنارة" يعود إلى مسجد يحمل الاسم ذاته في دبي، كانت هذه المجموعة تقصده بشكل دائم.

ومن بين المعتقلين خارج قضيتي "الإصلاح" و"المنارة"، الحقوقي البارز أحمد منصور، الذي اعتقل في العام 2017، وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات (ومليون درهم إماراتي) لنشاطه الحقوقي، وهو ما قوبل بإدانات دولية واسعة.

وبالإضافة إلى منصور، اعتقلت السلطات الإماراتية في العام 2015 الأكاديمي والاقتصادي ناصر بن غيث، وحكم عليه أيضا بـ10 سنوات سجن.