قضايا وآراء

الانفلات الأمني وغياب الإدارة العامة (إدارة الدولة)

1300x600
ذات مرة، جرى نقاش بيني وبين رجل أمريكي حول مدى صحة احتمالية انقطاع الاتصالات في العالم المروّج له من خلال بعض الفيديوهات المنتشرة على يوتيوب، بسبب توقعات باصطدام أحد الكواكب بالكرة الأرضية، وحينما صار لديه بعض اليقين باحتمالية وقوع هذا الأمر، قال: "ينبغي أن أوفر بعض المال لشراء سلاح للدفاع عن نفسي وعائلتي لو حدث شيء كهذا". سألته محاولا أن أستشف منه الدوافع: ولماذا؟ أليست لدينا دولة وحكومة وأمن؟ أجاب: حينما يحدث شيء كهذا سيبدأ الانفلات الأمني، ولن تستطيع الحكومة كبح جماح العصابات والمليشيات المنتشرة في طول البلاد وعرضها، بل ستصبح الحكومة هدفا لهؤلاء.

هذا الرأي فسرته حالة الشره غير المعهودة في شراء الأسلحة من المتاجر، حيث يبيحها القانون. وتقول بعض الإحصائيات إنه تم بيع 2.6 مليون قطعة سلاح خلال شهر آذار/ مارس من عام 2020، كما قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بتدقيق ما يقرب من 3.7 مليون طلب شراء أسلحة حسب موقع AS الرياضي، كما ذكرت نيويورك تايمز رقما كهذا.

وكما أن هناك عملية شراء أسلحة غير مسبوقة وفق القانون، فإنه لا بد من التساؤل حول إمكانية حدوث موجة تسلح خارج إطار القانون. وهذا أمر متعارف عليه في كل العالم، بل هو ربما الأغلب في الظروف الحرجة.

وأنوه هنا إلى أن الحكومات تقنن شراء أسلحة فردية في الغالب وترفض السماح باقتناء الأسلحة الأتوماتيكية، لذا فتلك التي تتم خارج نطاق القانون تكون في الغالب أسلحة فوق الفردية وربما تصل حد القنابل والمفرقعات. كذلك لا بد من النظر والتدقيق في ترسانة الأسلحة التي يمتلكها المواطنون قبل كوفيد- 19. ثم وبغض النظر عن دوافع امتلاكها، إلا أنها تشكل خطرا كبيرا على الأمن، وربما تؤدي في بعض الدول لانهيار المنظومة الأمنية كاملة، مما يجعل المجتمعات تحت رحمة حاملي السلاح، حسُنت أو ساءت نواياهم.

تختلف الدول والمجتمعات بنظرتها لاقتناء السلاح، فمثلا نجد مناطق في أمريكا يسعى سكانها لاقتناء السلاح، بل إن ترسانتهم البيتية صارت جزءا من تقاليدهم، خاصة لأن القانون ما زال مرنا في كثير من المناطق، ويتم ترخيص أنواع مختلفة من الأسلحة ويتم شراؤها بصورة علنية.

في الوطن العربي الذي يُحكم وفق فلسفة شمولية الحكم في غالب أقطاره، وترتكز القوة بيد الرئيس أو الملك ممثلا بأجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية عامة، فيُحرم بيع السلاح للمواطنين في الغالب، وقوانين اقتناء الأسلحة مشددة للغاية، لذلك يلجأ المواطنون لشراء السلاح المهرب ويرفضون ترخيصه؛ لأنه أمر ربما غير ممكن بسبب تشريعات تلك الدول، الأمر الذي قد يضعهم تحت مراقبة الأجهزة الأمنية في الدول التي ينتمون إليها.

من هذا السياق، نرى أن بيوت المواطنين تغص بالسلاح، كما أن هناك أجندات مختلفة ونوايا متعددة وراء اقتناء هذه الترسانات من الأسلحة، سواء تلك التي خضعت للشروط القانونية أو التي جلبت من السوق السوداء، وهذا الحال بتفاوته عالميا، إلا أنه موجود وله مدلولاته التي ربما تنذر باللون الأحمر خطورة.

كوفيد- 19 الحدث الذي لم تتأثر الكرة الأرضية بمثله منذ عشرات إن لم يكن مئات السنين، هذا الحدث العضال سيكلف البشرية الشيء الكثير، بغض النظر إن كان مفتعلا أو لا. إنه حدث يضعنا أمام مسؤوليات عظيمة شعوبا قبل الحكومات. لذا فالخوف من الانفلات الأمني مشروع، ولا يجعلنا نتوجس خيفة فقط، بل يضعنا في دولاب متسارع نحو الهاوية إن لم يأخذ جهاز الإدارة العامة في الدول موضعه، ويتمكن من التعامل بشفافية مع ما يجري، مما يجعلنا نؤيد خروج السياسي من المشهد ليتقدم جهاز الإدارة العامة، ويضع سياساته وفق مصلحة الجميع غير آبه لحجم خسارة رئيس أو مسؤول هنا أو هناك، لكن يعتبر هذا الطرح شبه مستحيل لسبب رئيسي، هو أن إدارة الدول المهنية تقع تحت وطأة اللعبة السياسية، بل ويتحكم السياسي بمفاصل العملية الإدارية للدولة وفق تطلعاته، بحجة أنه منتخب أو مخول وفق نص دستوري، بينما الإداري معيّن ويشغل وظيفته فقط. وربما الدليل الأقوى على ما أسلفت هو عدد الاستقالات في صفوف موظفي البيت الأبيض باختلاف طبقاتهم ومراتبهم.

قد يقول قائل: أليس السياسي هو من يدير اللعبة في دولته وخارجها؟ ولكي يكون هناك توضيح مبسط نقول: نعم، ولكن يقف خلفه مجموعات تخصصية من الإداريين. دور هذه المجموعات مختلف تماما عن خطابه السياسي؛ لأن خطابه السياسي مفعم بالأحلام، يشبه روايات الأطفال في تضخيم بطولاتهم في غابات مليئة بالأسود، بينما الإداريون الاختصاصيون يرون الصورة مختلفة تماما، ويرون المشهد بحجمه الحقيقي، فتتم مقارنة حجمهم وقدراتهم وفق موازين يعرفونها لا علاقة لها ببلاغة القول في خطاب الرئيس أو السياسي، بل مرتبطة بكل تفاصيل العملية الإدارية للدولة من موارد وإنفاق وتبعات رقمية؛ غالبا ما يجهل تفصيلاتها السياسي.

وهنا نجد أن الإداريين والأمنيين يضعون خططهم وفق معلومات دقيقة حول ما يجري على الساحة، مدركين أن الخلل في مخزون المعلومات سيؤدي إلى القرار الخطأ. من هنا تقع على عاتقهم مسؤولية جمع المعلومات الدقيقة للعملية الإدارية للدولة، ولربما الاهتمام بدقتها يفوق حجمها الرقمي.

هذا الرقم المتعلق بشراء الأسلحة الذي طرحته سالفا في المقال حول زيادة كبيرة في بيع الأسلحة في أمريكا، ترافقه زيادة في المخزون العالمي شعبويا في دول تخوض الحروب، أو تقع ضمن أقاليم تجتاحها الحروب، ولعلها تشكل خطرا أكبر حيث تتركز بأيدي لا يحكمها قانون ولا تضبطها الدول بضوابط الاستخدام، وفي حالة حدوث أي خلل سنجد الشوارع قد تحولت لساحات قتال ربما لأسباب وربما بدون أسباب مقنعة، لكن لحفظ توازنات كانت تحافظ عليها منظومة الدولة قبل الفلتان الأمني.

لقد تحولت الدول في بنيانها السياسي الإداري في الأعوام الماضية، وأصبحت تميل نحو سلطة سياسية غير مقترنة بفن إدارة الدول، لذا وجدنا الكثير من دول العالم تتخبط في قراراتها وسياساتها الداخلية والخارجية. وقد جاءت جائحة "كوفيد- 19" لتصور هذا المشهد الفوضوي، معلنة تعطيل معظم مرافق الدولة الإدارية، واستبدالها بقرارات طارئة يقودها سياسيون وإداريون، مع غلبة السياسي على شريكه الإداري.

إذ ربما لا تتناسب هذه التشكيلة ومتطلبات المرحلة، لذا فلا نستغرب الإقدام على شراء الأسلحة من قبل المواطنين في شتى بقاع الأرض، لأن الذي يحكمهم الآن هو خوفهم من المجهول فيما لو سقط بنيان الدولة، حيث لا بديل إلا هوج الشارع، ناهيك عن كون الدولة قد تصبح بمنزلة رأس مطلوب لكثير من الشعوب، بما في ذلك المليشيات والعصابات وكثير من تشكيلات المافيا في العالم.

أما إذا تساءلنا عن الحل، فلا أعتقد أن يكون وفق عسكرة الأنظمة واللجوء إلى الجيش، بل بالعودة للمربع الأول في نشأة الدولة، ومحاولة ترميم ما هدمه السياسيون على حساب إدارة الدولة المهنية، ثم بتهذيب تلك الإدارة عبر مؤسسية تضمن مهنيتها وحيادها بمنتهى الشفافية لحمايتها من الترهل وفقدان القدرة على الفاعلية.

لهذا ينبغي أن نستعيد هيبة الدولة، لكن ليس من حزب سياسي أو ناشط حقوقي، كما لا تكون استعادة هيبة الدولة بوقف متظاهرين أو جماعات ضغط قانونية، بل لا بد من استعادة هيبة الدولة التي اختطفت من سياسيين متنفذين يشغلون مواقعهم في صنع القرار، غير أنهم لا ترقى أفعالهم لمستوى المسؤولية فهما وإداراكا وقدرة على التعامل مع ما يحدث وفق أسس وفنية إدارة الدول، بعيدا عن الخطابات وترف الكلام.

أخيرا، أود أن أختم هذه المقالة بحوار طفل لأبيه:

بابا اشتري لي درّاجة..

ابني ما فيه فلوس، خليها لما أقبض الراتب..

بابا اشتريها على بطاقة الائتمان.. ظنا منه أن بطاقة الائتمان لا تدفع وهي مجانية.

ابني بطاقة الائتمان موقوفة لأن المصروفات بلغت الذروة.

بابا بدي دراجة..

ولو طبقنا هذا الحوار على هيكلة الدولة، سنجد أن الطفل هنا هو السيد الرئيس، وجلالة الملك، وصاحب السلطان، وكل هؤلاء الذين لا يرون من تفاصيل إدارة الدولة إلا تقارير معسولة يقدمها المستفيدون، ويغضون الطرف عن تقارير من يديرون المشهد بتفاصيله وأعبائه وهمومه من موظفي الإدارة المخلصين.