ملفات وتقارير

"ذعر من العدوى".. كيف تفاعلت دول جوار السودان مع الاشتباكات الجارية؟

تخشى دول جوار السودان من انتقال الصراع المسلح إليها - جيتي
كثفت دول شرق أفريقيا نشاطها الدبلوماسي منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السودان، صباح السبت، وسط مخاوف من انتقال عدوى القتال إلى دول الجوار.

ومنذ بداية الاشتباكات، التقى الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، التي تضم ثماني دول في شرق أفريقيا بما في ذلك السودان، كل على حدة، في محاولة لوضع الخطوط العريضة لحل سريع للحرب. 

ولسبب وجيه، تقع السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا على مفترق طرق لمصالح وتطلعات متعددة للجهات الفاعلة الإقليمية، حيث تقع البلاد على حدود سبع دول، وهو ما يؤثر على ديناميكيات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل.

والأحد، قررت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية إرسال رؤساء كينيا ويليام روتو وجنوب السودان سيلفا كير وجيبوتي إسماعيل عمر جيلي إلى السودان للتوفيق بين جماعات الصراع.

وقالت الرئاسة الكينية إن "إيغاد" قررت إرسال الرؤساء روتو وكير وجيلي في أقرب وقت ممكن للتوفيق بين الجماعات المتصارعة في السودان، مضيفة نقلاً عن الهيئة أن "الاستقرار في السودان ضروري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة".

وتأتي تحركات دول الجوار لحل الأزمة في السودان خوفا من انتقال عدوى الصراع المسلح إليها، حيث حذر كاميرون هدسون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قائلاً لصحيفة "لوموند": "هناك احتمال حقيقي لزعزعة الاستقرار الإقليمي إذا تصاعد الصراع". 

كما حذر مصدر دبلوماسي غربي في حديثه للصحيفة من حدوث "ازدحام مروري للوساطة في ظل المبادرات التي طرحتها عديد الدول، من المنطقة ومن خارجها، من أجل وقف القتال في السودان".

واعترف مصدر في الرئاسة الكينية، طلب عدم الكشف عن هويته لصحيفة "لوموند" بأن "رياحا من الذعر عمت المنطقة"، وأن الأزمة في السودان "تجبرنا على إعادة التفكير في الأولويات الإقليمية".

وفي هذا "الازدحام المروري"، ظهرت محاولات أخرى للوساطة، حيث دعا رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت إلى وقف فوري للقتال بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، معربين عن استعدادهما للعب دور وساطة.

كما طرح رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد الوساطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قائلا: "إذا دعوتمونا للوساطة بينكم كأشقاء، في وقت الشدة، كأشقاء لا يريدون أي شيء آخر سوى مساعدتكم في حل هذا النزاع الخطير على السودان، والمنطقة بأسرها، فنحن مستعدون أن نأتي إلى الخرطوم في أسرع وقت ممكن".

مصر
وتتشارك مصر حدوداً بطول 1275 كيلومتراً مع السودان في الشمال، في الوقت الذي يوجد فيه علاقات تاريخية وثيقة بين الجيشين المصري والسوداني، حيث تتعاون الدولتان في العديد من المجالات، بما في ذلك المجال العسكري. 

مع اندلاع الاشتباكات المسلحة في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع صباح السبت، وجدت مصر نفسها في دائرة الصراع بعد سيطرة القوات على قاعدة مروي الإستراتيجية، واحتجاز عدد من الضباط والجنود المصريين الموجودين هناك ضمن تدريبات مشتركة مع الجيش السوداني.

وتحتضن القاعدة الجوية في مروي (شمالي السودان) تدريبات عسكرية ومناورات جوية مشتركة بين الجيشين السوداني والمصري، بدأت في آذار/ مارس 2021 تحت اسم (نسور النيل 2) وجرت بمشاركة مجموعات من القوات الجوية وقوات الصاعقة من البلدين.

يقتصر وجود الجيش المصري، حسب بيان القوات المسلحة، على التدريبات والمناورات المشتركة مع نظيره السوداني، ولكنها لم تكشف عن عدد هؤلاء الضباط والجنود الذين احتُجزوا. وأهاب الجيش المصري -في بيان على فيسبوك- بالحفاظ على أمن قواته هناك وسلامتها.

في المقابل، قال مصدر دبلوماسي غربي لـ"لوموند" إنه يُشتبه في أن القوات العسكرية المصرية تدعم بنشاط حليفها عبد الفتاح البرهان، من أجل ضمان بقائه في السلطة.

على الصعيد السياسي، طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأطراف السودانية بتغليب لغة الحوار والتوافق الوطني وإعلاء المصالح العليا للشعب السوداني، معربا عن قلق مصر البالغ من التطورات في السودان.

وأكد السيسي، في اتصال هاتفي مع السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وجود تداعيات سلبية للصراع المسلح على استقرار السودان الذي يمر بلحظة تاريخية دقيقة تستدعي أقصى درجات الحكمة وضبط النفس.
ليبيا
تمتد الحدود السودانية الليبية لمسافة 382 كم من النقطة الثلاثية مع مصر في الشمال إلى النقطة الثلاثية مع تشاد في الجنوب.

أثارت أحداث الصدام العسكري في السودان بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع التي يقودها "حميدتي" تكهنات وتساؤلات عن مدى تأثير الأمر على الجنوب الليبي وملف المرتزقة الأفارقة هناك.

وقبل الاشتباكات في السودان، قام المبعوث الأممي لدى ليبيا، عبد الله باتيلي بجولة أفريقية شملت تشاد والنيجر والسودان من أجل مناقشة آلية إخراج المرتزقة الأفارقة من ليبيا ومنهم مرتزقة تابعون لحميدتي.

في المقابل، اكتفت الحكومة الليبية برئاسة الدبيبة بمطالبة رعاياها هناك بتوخي الحذر وعدم الخروج من منازلهم حتى تستقر الأوضاع دون حديث عن خطواتها لتأمين الحدود الجنوبية مع السودان.

التشاد
أما التشاد، التي تمتلك حدودا تمتد على طول 1391 كيلومتراً مع السودان (غرب)، فأعلنت إغلاق حدودها البرية خشية امتداد الصراع إلى أراضيها.

كما أعلن رئيس تشاد، محمد إدريس ديبي، أنه أجرى اتصالين هاتفيين مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، ونائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، ودعاهما للحوار.

وقال ديبي، عبر تويتر إنه أجرى اتصالين هاتفيين (الأحد) مع البرهان وحميدتي، واستنكر ما يجري منذ السبت، مضيفا أنه دعا الطرفين إلى "وقف إطلاق النار وتفضيل مسار الحوار من أجل إيجاد حل سلمي وتجنيب السكان المعاناة التي لا داعي لها".
جنوب السودان
أعلنت دولة جنوب السودان، التي تمتلك أطول شريط حدودي مشترك مع السودان بطول 2008 كيلومترات، أنها تنسق مع مصر حول تطورات الأوضاع في السودان، منذ بدء الاشتباكات بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع.

وقالت وزارة خارجية جنوب السودان إن جوبا تنسق مع رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، حيث جرى اتصال بين سيلفا كير والسيسي حول التنسيق مع مصر حول التطورات في السودان. 

وأضافت أن هناك اهتمامًا مُشتركًا من جانب قيادتي الدولتين بحكم الجوار الجغرافي لمصر ولجنوب السودان للسودان، وأن أمن السودان مهم جدًا للمنطقة، وأن جنوب السودان تواصل جهود الوساطة مع مصر لاحتواء الأوضاع في السودان.

وأوضحت أن هناك نية لإجراء اتصالات بالفعل خلال المرحلة الحالية، مشيرة إلى جهد يُقدم من بعض الدول الأفريقية.

وأضافت أن رئيس جنوب السودان، سيلفا كير، يتواصل مع عدة أطراف لبحث الوضع بالسودان، ويدعو لوقف إطلاق النار في السودان، معتبرة أن هناك مشكلة حقيقية مُرتبطة بانتشار السلاح على نطاق واسع؛ مما ينذر بالخطورة، واحتمالية اتساع دائرة الصراع في السودان.

إثيوبيا
تحدُّ إثيوبيا والسودان بالحدود الدولية الطبيعية التي تمتد لأكثر من 1000 كيلومتر على طول نهر النيل. وتمتد هذه الحدود بشكل رئيسي من النقطة التي يلتقي فيها نهر البارو (Baro) ونهر سوبا (Sobat) في غرب إثيوبيا، وصولاً إلى مثلث حلايب على البحر الأحمر.

ولكن هناك خلافات بين البلدين حول بعض المناطق الحدودية، مثل منطقة حلايب التي تسيطر عليها القوات المصرية منذ عام 1958 والتي يزعم السودان أنها تنتمي إليه، وهناك جهود دبلوماسية لحل هذه القضية.

وبعد اندلاع الاشتباكات، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد استعداده للوساطة لحل النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويشترك السودان وإثيوبيا بمصالح مشتركة، حيث أعلنا نهاية العام الماضي عن توصلهما إلى اتفاق لتسوية قضايا سد "النهضة" الإثيوبي والحدود بين البلدين بطريقة سلمية.

وجاء ذلك في الوقت الذي توقفت فيه المفاوضات الثلاثية بين السودان ومصر وإثيوبيا منذ نحو عام ونصف حول ملف سد النهضة نتيجة لتمسك القاهرة والخرطوم بالتوصل أولاً إلى اتفاق فني ثلاثي حول ملء وتشغيل السد لضمان استمرار تدفق حصتهما السنوية من مياه نهر النيل.

وترفض إثيوبيا التوقيع على أي اتفاق ملزم يخص إدارة وتشغيل السد باعتبار ذلك من صميم سيادتها، مؤكدة أنها "لا تسعى إلى الإضرار بأي من دولتي المصب".
إريتريا
رغم أن الحدود البرية بين السودان وإريتريا تمتد على طول 682 كيلومتراً في الشمال الشرقي، إلا أن الحكومة الإريترية لم تعلن إلى حدود الإثنين موقفا واضحا تجاه الحرب الدائرة في الخرطوم بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع.

لكن على المستوى الاستراتيجي، ظلت الحكومة الإريترية تطلق مبادرات وتقود مساعي حميدة للتوفيق بين الفرقاء السياسيين في السودان في أكثر من مناسبة، سواء قبل أو بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019.

وسبق للرئيس الإريتري أسياس أفورقي أن أطلق مبادرة لرأب الصدع بين الأطراف السياسية السودانية والمكون العسكري قبل انقلاب تشرين الأول/ أكتوبر 2021، الذي أنهى فترة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، دون أن يتدخل في الاشتباكات الجارية في السودان.

كما يحد البحر الأحمر السودان من الشرق، ويتمتع البلد الأفريقي بمنافذ بحرية مهمة تنفتح على البحر الأحمر، وتشمل بورتسودان وسواكن ومساواة وبحر الشرقية.