كتاب عربي 21

الشيخ عمر عبد الرحمن كشاهد على بؤس العالم

1300x600
تلخص سيرة الشيخ عمر عبد الرحمن بؤس العالم وتحولات الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي وقضايا الصراع والهيمنة ومسألة الهوية والمكانة فقد شهد الشيخ أزمة تحولات الدولة المصرية والصراع على هويتها المشتبهة بين العلمنة والعروبة والإسلام وتبدلات موقعها الإقليمي بالابتعاد عن عالم العرب والمسلمين والاقتراب من إسرائيل كصديق وانقلاب العالم من نظام القطبين إلى عصر العولمة الأمريكية حيث استبدلت المنظومة الاشتراكية بالإيديولوجية الإسلامية كعدو للإمبراطورية.

لا يمكن لأحد التشكيك في مؤهلات الشيخ عمر عبد الرحمن  العلمية الشرعية فرغم أنه  فقد بصره بعد أشهر من مولده  فقد أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً عندما بلغ الحادية عشرة من عمره وبعد دراسة طويلة بالمعاهد الأزهرية التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة وتخرج منها عام 1965 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وعمل معيداً بها مع تطوعه بالخطابة وتمكن من الحصول على درجة الدكتوراه وعندما اعتقل بتهمة التحريض على اغتيال الرئيس السادات 1981 برهن في محاكمة نادرة على كفر الحاكم الذي لا يحكم بما انزل الله  في نص تضمن مرافعته الشهيرة التي نشرت فيما بعد في كتاب بعنوان "كلمة حق" وقد برأته المحكمة باعتباره يتوافر على أدوات الاجتهاد وشروط الفتوى وتم الإفراج عنه.

محنة الشيخ عمر عبد الرحمن تختصر مشكلة الدولة العربية ما بعد الكولينيالية بفشلها المركب فهي دولة تعاني من أزمة تأسيس للشرعية في دولة تعاني من تعريف نفسها بين الديني والسياسي كدولة مشتبهة قامت على الجمع المستحيل في هويتها بين العلمنة والإسلام ففي الوقت الذي عملت على تبني حداثة سياسية شكلانية في مؤسساتها السياسية والقضائية والتشريعية أكدت على دور الإسلام في تحديد هويتها وبنيتها القانونية الدستورية وبهذا لم تكن حركات الإحياء الهوياتي الديني بعيدة عن صلب مكونات الدولة الوطنية وعندما أخذت مؤسسات الدولة البيروقراطية بعدا أكثر تسييسا  أفرز المجتمع حركات اجتماعية إسلامية أكثر تديينا.

عندما بدأت حركات الإسلام الإحيائية الهوياتية  وممثلها الأبرز جماعة الإخوان المسلمين تأخذ مسارات سياسية تقوم على تبادل المنافع مع السلطة والتسويات والمضاربات خرج من رحمها ورحم المجتمع حركات أشد تمسكا بهوية الدولة والمجتمع حيث ظهرت "جماعة الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" وقد حدث تداخل وتشابك بين الجماعتين على مدى أكثر من عقدين من الزمن وقد دخلت هوية الدولة المصرية  في مرحلة من الشك والالتباس بعد التوجه السياسي نحو الصلح مع إسرائيل عام 1978 ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد وبات انتمائها إلى العروبة مدخولا وعلاقتها بالإسلام مثلوما.

كان الشيخ عمر عبد الرحمن أيقونة لجيل من الشباب الإسلامي الذي شعر بتهديد هويته الأمر الذي دفع شباب الجماعة الإسلامية والتي كانت متداخلة مع جماعة الإخوان المسلمين والسلفية التقليدية  وجماعة الجهاد للبحث عن رمز ديني وأخلاقي لمواجهة تحديات العبث بالهوية الأمر الذي دفعه للقبول باعتباره زعيما للجماعة الإسلامية، وطالما كانت الجماعات الإسلامية في مصر التي سوف تعرف بالجهادية ردة فعل لاستعادة هوية مهددة من طرف السلطة بالعلمنة ومن طرف جماعة الإخوان المسلمين التي اعتبرت مميعة للهوية.

سوف ترتكز كتابات الشيخ عمر عبد الرحمن على مسألة هوية الدولة المصرية، ولم يكن للجماعة الإسلامية قبل عام 1981 أي أدبيات مستقلة وكان يغلب على فكر الجماعة الطابع السلفي، ثم بدأت تحدد معالم فكرها عبر مجموعة من المنشورات والكتب، أهمها "ميثاق العمل الإسلامي"، ويعتبر دستور عمل الجماعة ثم أصدرت الجماعة كتاب"أصناف الحكام وأحكامهم" للشيخ عمر عبد الرحمن، وبحث في "حكم قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام"، ووثيقة "حتمية المواجهة"، ومرافعة الشيخ عمر عبد الرحمن التي نشرت في كتاب بعنوان "كلمة حق"، ووثيقة "إله مع الله: إعلان الحرب على مجلس الشعب"، ووثيقة " فلسفة المواجهة"، وتتلخص الوثائق السابقة في توسيع البحث والنظر في مجمل الأفكار التي طرحها صالح سرية في رسالة "الإيمان" وعبد السلام فرج في كتاب "الجهاد الفريضة الغائبة".

دافع الشيخ عبد الرحمن عن مسألة هوية الدولة الإسلامية وهو الأمر الذي شغل الجماعة الإسلامية بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل حبث لم يجد الجيل الجديد أي روابط بين نصوص الدستور التي تدعي أن الإسلام أحد مصادر التشريع وكون رئيس الجمهورية مسلما مع واقعة السلام والابتعاد عن الهوية العربية الإسلامية حيث شككت أدبيات الجماعة الإسلامية وشيخها عبد الرحمن في إدعاءات هوية الدولة وهوية الرئيس وهوية المؤسسات.

 تبحث وثيقة "إله مع الله"  بمحتويات الدستور المصري وبيان مخالفته للشريعة الإسلامية وتشير إلى غربة الإسلام والمسلمين وتبين حكم البلاد التي تعمل بالقوانين الوضعية بدلاً من شرعة الإسلام وتكفّر الحاكم بحجة تبديل الشريعة، وتتوصل إلى نتيجة مفادها أربع حتميات شرعية للمواجهة، أولها: تكفير الحاكم، ووجوب قتاله، وخلعه، والثانية: قتال الطائفة الممتنعة عن إحدى شرائع الإسلام، وإن أقرت بالشهادتين، والثالثة: إقامة الخلافة الإسلامية، والرابعة: تحرير بلاد المسلمين، ووجوب استنقاذ أسرى المسلمين، من أيدي الأعداء، ووجوب الجهاد لنشر الدين ونصرة المسلمين في شتى بقاع الأرض. ويتناول "ميثاق العمل الإسلامي" تسع نقاط أساسية هي : الهدف، والعقيدة، والفهم، والزاد، والعداء، والولاء أو الاجتماع، ويلخص منهج الجماعة وبرنامجها وأسلوب حركتها، ويناقش كتاب " أصناف الحكام وأحكامهم" مسألة الحاكمية، ويخلص إلى حكم مفاده تكفير الحاكم المبدل للشريعة وخروجه عن ملة الإسلام وإثبات كفر السادات.

لم يكن الشيخ عمر عبد الرحمن بدعا من القول لكنه كان رجلا أخلاقيا شجاعا في زمن الجبن الثقافي والشرعي حيث قال إن "الرئيس المؤمن" وخليفته لم يكن في أحسن أحواله سوى منافقا وفاشلا وخائنا فقد فشل في بناء هوية تستند إلى الإسلام والحداثة وعجز عن تحقيق الاستقلال والتنمية وتخلى عن العروبة وارتهن لأمريكا ووقع اتفاقية عار مع عدو الأمة العربية الإسلامية الكيان الاستيطاني للاحتلال الاسرائيلي.

تعرض الشيخ عبد الرحمن لخيانة مزدوجة من الدولة الوطنية التي تخلت عن أسسها ومبادئها في تحقيق الاستقلال والكرامة والأمن ومن الإمبراطورية الإمريكية التي لجأ إليها بحثا عن الحرية والحقوق والأمان ففي نهاية ثمانينات القرن الماضي مع ضيق أفق دولة مبارك سافر عبد الرحمن لأداء العمرة بالسعودية ومن هناك توجه لعدة دول منها باكستان ثم إلى السودان بحثا عن الحرية والأمان وقد تمكن من الحصول على تأشيرة الدخول للولايات المتحدة من السفارة الأمريكية في الخرطوم عام 1990 حبث أوقعت به المباحث الفيدرالية عام 1993 إثر اتهامه بالتورط في محاولة تفجير مركز التجارة العالمي وانتهت بالحكم عليه عام 1995 بالسجن المؤبد دون أدلة مقتعة.

لم يكن الحكم على الشيخ عمر عبد الرحمن سوى إعلان عن تحول بينية الواقع الدولي من القطبية إلى الأمركة واستبدال العداء من المنظومة الإشتراكية إلى الإيديولوجية الإسلامية، فقد أدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية إلى بروز الولايات المتحدة كقوة إمبراطورية إمبريالية مهيمنة تسعى للسيطرة التوسع وفرض نظام عالمي جديد، حبث شهدت تلك المرحلة تحولات استراتيجية في التصور الأمريكي المتعلق بالواقع السياسي الدولي وفي هذا السياق ظهرت مقالة فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ صيف 1989 التي تبشر بالانتصار النهائي للديمقراطية ورأسمالية السوق والإعلان عن نهاية التاريخ وبروز الفاشية الإسلامية والتي تحولت لاحقا إلى كتاب، وبرزت أطروحة صموئيل هنتنغتون حول"صدام الحضارات" كمقالة صيف 1993 والتي ستتحول لاحقا إلى كتاب وتبنى هنتنغتون مقاربة ثقافوية استشرافية تنص على أن الصراع العالمي عقب نهاية الحرب الباردة لن يكون اقتصاديًا ولا جيواستراتيجيًا بل حضاريًا بامتياز ذلك أن الجماعات الثقافية سوف تحل محل كتل الحرب الباردة، وخطوط التماس بين الحضارات سوف تصبح هي الخطوط المركزية للصراع في السياسات العالمية، واعتبر هنتنجتون أن الإسلام هو قوام القوة الظلامية في العالم.

لم يكن الشيخ عمر عبد الرحمن ولا غيره يستشرف سرعة تحولات الواقع الدولي وتحول العداء من الشيوعية إلى الإسلام حيث كانت الحركات والشخصيات الإسلامية  تنظر إلى أمريكا والغرب كحليف ضد الإلحاد وحام ضد الدكتاتورية وملاذ للحرية والعدالة والانصاف، وقد دفع الشيخ ثمن عولمة متوحشة غير أخلاقية وغير إنسانية تتبدل فيها القيم تبعا للمصالح ويتحول فيها الأشخاص إلى أشياء وسلع قابلة للتبادل والبيع في سوق الرأسمالية المظفرة، الأمر الذي أدركه الشيخ البصير وأودعه في وصيته حين قال: "إن الحكومة الأمريكية رأت في سجني ووجودي في قبضتها فرصة قد سنحت لاغتنامها في "تمريغ" عزة المسلم في التراب والنيل من عزته وكرامته" وتحدث عن ممارسات الإذلال والامتهان والتعذيب المادي والمعنوي التي تطاله بسبب ما يحمله من إسلام.

من جملة المفارقات في سيرة الشيخ عبد الرحمن أن دولة دكتاتورية قال بكفر نظامها وردته وخيانته أن محاكمها قضت ببراءته واعتبرته شيخا مؤهلا لإصدار الفتاوى بينما قضت محاكم دولة توصف بالليبرالية والديمقراطية ونزاهة واستقلال القضاء عليه بالحبس مدى الحياة  على تهم ملفقة بالتحريض على الإرهاب حيث أمضى نحو ربع قرن من الزمان في سجونها شاهدا على تبدل الأزمنة وانقلاب القيم وبؤس العالم، لكن عزاءه أنه كان معزولا عن خراب النخب وفساد الذمم في زمن الملق والنفاق والجبن الثقافي وقباحات سدنة "حرب الإرهاب".