قضايا وآراء

"حنجلة سياسية" تسبق زيارة بايدن

قطب العربي
1300x600
1300x600

ماراثون سياسي بين قادة الدول الشرق أوسطية، لقاءات سرية وأخرى علنية، بعضها ثنائي وبعضها متعدد الأطراف، أبرزها لقاءات قمم بين الرؤساء والملوك والأمراء، وأكثرها لقاءات أمنية استخبارية.. الرابط بينها هو استباق زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للمنطقة منتصف الشهر الجاري، ولقاؤه المحدد سلفا مع هؤلاء القادة، في إطار التحركات الأمريكية لمواجهة استمرار الحرب الأوكرانية، وتداعياتها، واحتمالات اتساعها.

كلام كثير عن ترتيبات لتأسيس حلف عسكري عربي إسرائيلي (ناتو شرق أوسطي)، تحدث بذلك بصراحة وحماس الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، في حديثه لقناة "سي إن بي سي"، مؤكدا أنه من أوائل الأشخاص الذين يؤيدون إنشاء حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، وهو ما نفته رسميا كل من مصر والإمارات اللتين ينظر إليهما باعتبارهما أهم الأضلع لأي تحالف إقليمي يضم إسرائيل أيضا..

الكيان الصهيوني، ومعه الإدارة الأمريكية، أكثر المروجين لهذا الحلف العسكري الذي يمكنه من قيادة باقي الشركاء العرب، وفي الحد الأدنى الاندماج في المنظومة الشرق أوسطية الجديدة، وعمليا سيكون أكثر المتحفظين على تمكين هذا الحلف من إمكاناته العسكرية والمعلوماتية.

الحديث عن "ناتو" شرق أوسطي هو أمر أقرب للخيال، فالعدو المشترك حتى الآن ليس محددا بدقة، فمرة يقال إيران، ومرة روسيا، وثالثة الصين، ورابعة يقال كل أولئك، ولو فصلنا كل خيار على حدة أو حتى جمعنا الخيارات جميعا معا، فإننا سنكتشف عوائق وموانع حقيقية أمام مثل هذا التحالف

الحديث عن "ناتو" شرق أوسطي هو أمر أقرب للخيال، فالعدو المشترك حتى الآن ليس محددا بدقة، فمرة يقال إيران، ومرة روسيا، وثالثة الصين، ورابعة يقال كل أولئك، ولو فصلنا كل خيار على حدة أو حتى جمعنا الخيارات جميعا معا، فإننا سنكتشف عوائق وموانع حقيقية أمام مثل هذا التحالف.

في ما يخص إيران كعدو مشترك لهذا الحلف المفترض، سيقف العراق عائقا، كما سترفض قطر التي ستستضيف المفاوضات النووية الأمريكية الإيرانية على أرضها، وأعلنت الإمارات من ناحيتها أنها ليست طرفا في أي تحالف عسكري إقليمي أو تعاون يستهدف أي دولة بعينها"، كما أن مصر نفت على لسان وزير خارجيتها وجود هذا المشروع، ولا تعتبر الكويت وسلطنة عمان دولة إيران عدوا مباشرا.

وفي ما يخص روسيا أو الصين، فإن مصر أيضا ومعها دول أخرى لا ترى في البلدين عدوا لها يستحق أن تتحالف عسكريا ضده.

من الطبيعي أن يسعى الرئيس الأمريكي جو بايدن لإحراز نصر سياسي خلال جولته الشرق أوسطية منتصف تموز/ يوليو الجاري، يتمثل في تدشين تحالف عربي إسرائيلي ينهي العزلة عن الكيان، ويدمجه في المنطقة قائدا ومؤثرا. وهو بالتأكيد يسعى لأن يكون هذا التحالف عسكريا ليكون عصا جديدة لواشنطن في المنطقة، يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهو ينهي الصراع العربي الإسرائيلي، ويوفر على واشنطن بالتالي جزءا كبيرا من الإنفاق العسكري المخصص لحماية الكيان، ويلقي بعبء الدفاع عنه لأصدقاء عرب!! وهو يهدد بهذا الحلف أعداءه (إيران- روسيا- الصين)، ويساعده لو تطورت الحرب الأوكرانية. وهو سيقوم بتسليح هذا الحلف من جيوب العرب، وبذلك يكسب مكسبا إضافيا لصالح مصانعه العسكرية.

لكن ليس كل ما يتمناه الرئيس الأمريكي يدركه، فقد فشل ترامب من قبل في تأسيس هذا الحلف رغم صلاته الأوثق بالقادة الخليجيين وحلفائهم المصريين والأردنيين، كما أن القادة العرب يدركون أن بايدن قد لا يتمكن من الترشح أو الفوز في دورة رئاسية جديدة في 2024، وبالتالي فهم يحاولون كسب الوقت لتمرير ما تبقى من دورته الحالية، لكنهم لن يغامروا بالانضمام لحلف يدخلهم في عداوة مباشرة مع إيران أو غيرها. كما أن الوضع السياسي داخل الكيان عاد للاهتزاز مجددا مع سحب الثقة من حكومة بينيت، واحتمالات عودة نتنياهو.
ليس كل ما يتمناه الرئيس الأمريكي يدركه، فقد فشل ترامب من قبل في تأسيس هذا الحلف رغم صلاته الأوثق بالقادة الخليجيين وحلفائهم المصريين والأردنيين، كما أن القادة العرب يدركون أن بايدن قد لا يتمكن من الترشح أو الفوز في دورة رئاسية جديدة في 2024، وبالتالي فهم يحاولون كسب الوقت لتمرير ما تبقى من دورته الحالية

القصة بدأت في آذار/ مارس الماضي باجتماعين؛ أحدهما سري وهو الأهم والثاني علني. الاجتماع السري استضافته شرم الشيخ المصرية وكشفته صحيفة وول ستريت جورنال، وضم مسؤولين عسكريين، بينهم قادة، من إسرائيل ودول عربية والولايات المتحدة التي ترأس وفدها الجنرال فرانك ماكينزي، قائد القيادة المركزية. وقد بحث الاجتماع كيفية التنسيق بين تلك الدول في مواجهة القدرات المتنامية لإيران فيما يتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهذا الاجتماع هو الذي فتح الحديث عن الناتو الشرق أوسطي.

أما الاجتماع الثاني فهو منتدى النقب في آذار/ مارس أيضا، وقد ضم ممثلين للولايات المتحدة ومصر وإسرائيل والبحرين والمغرب والإمارات، ويلاحظ أنه لم يضم كلا من السعودية والأردن والعراق. وقد تقرر فيه تشكيل إطار للتعاون الإقليمي، وتم عقد اجتماع مكمل له في البحرين يوم الاثنين الماضي (27 حزيران/ يونيو المنصرم). ويلاحظ أن هذا الإطار الإقليمي ينصب على تسريع خطوات التطبيع في المنطقة، وقد حدد لها مجالات الأمن الإقليمي، والتربية والتعايش، والطاقة النظيفة، وأمن الغذاء والمياه، والصحة والسياحة.

هذان التجمعان هما اللذان فتحا الباب واسعا للحديث عن تغيرات وتحالفات جديدة في الشرق الأوسط تعيد رسم خريطته، وقد واكبهما وتبعهما تحركات ثنائية ماراثونية، مثل زيارة الرئيس أردوغان للسعودية، ثم الرد عليها بزيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى تركيا، ومصر والأردن، والقمة المصرية الأردنية البحرينية في شرم الشيخ، وزيارة الأمير تميم للقاهرة، وكذا زيارة السيسي لسلطنة عمان والبحرين.. الخ. ومن الواضح أن هذه التحركات المحمومة تستهدف تنسيق المواقف قبل اللقاء المرتقب مع بايدن، والذي يتوقع هؤلاء القادة أن يفرض عليهم بعض الأمور التي قد لا يرغبون فيها.
ما يجري إذن هو مجرد "حنجلة" سياسية، يستكشف فيها قادة المنطقة قدراتهم واحتياجاتهم، وإمكانيات التعاون المشترك بينهم، وماذا يمكن أن يقدمه كل منهم للآخرين، أو ماذا يريد منهم، لكنها لن تصل إلى مستوى تأسيس ناتو شرق أوسطي

إلى جانب هذا الخوف المشترك لقادة المنطقة من بايدن ومشروعاته، فإن لكل واحد منهم أهدافه الخاصة من هذه التحركات، فالسيسي مثلا الذي يمر بأزمة سياسية واقتصادية كبيرة يسعى للحصول على دعم سياسي واقتصادي يطيل عمر نظامه، والرئيس التركي أردوغان يمر بأزمة اقتصادية أيضا ويستهدف عودة الاستثمارات والسياحة الخليجية خاصة السعودية، والأمير محمد بن سلمان يتحرك بسرعة لنقل المُلك إليه قبل وفاة والده، وأمير قطر يسعى لاستعادة الدور السياسي لبلاده بعد انتهاء أزمة الحصار، وملك المغرب يريد دعما سياسيا في قضية الصحراء وفي أزمته السياسية مع الجزائر.. الخ.

ما يجري إذن هو مجرد "حنجلة" سياسية، يستكشف فيها قادة المنطقة قدراتهم واحتياجاتهم، وإمكانيات التعاون المشترك بينهم، وماذا يمكن أن يقدمه كل منهم للآخرين، أو ماذا يريد منهم، لكنها لن تصل إلى مستوى تأسيس ناتو شرق أوسطي، يبني قواعد عسكرية مشتركة في هذه البلدان، يمكن أن تنطلق منها عمليات عسكرية ضد أحد الأطراف ولتكن إيران، ولكن هذا لا ينفي إمكانية التوصل إلى اطر أخرى للتعاون الإقليمي الذي يشمل إسرائيل أيضا.

 

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (0)