قضايا وآراء

الانتفاضة مستمرة (2).. التسعينات وصعود الفعل العسكري للإسلاميين وتداعياته

خلدون محمد
في الوقت الذي ختم فيه البعض صفحة الانتفاضة الكبرى كانت هي بالضبط لحظة الدحرجة العالية للفعل المتصاعد
في الوقت الذي ختم فيه البعض صفحة الانتفاضة الكبرى كانت هي بالضبط لحظة الدحرجة العالية للفعل المتصاعد
 3- محاولة استدعاء "اتفاق أوسلو" كقاطع طريق على الانتفاضة

هناك من رأى في عام 1993 (عام التوقيع على اتفاق أوسلو) خاتمة أعوام انتفاضة 1987، كما ذهب لذلك كثيرون ورأْوا أن شحنة الانتفاضة كانت قد استنفذت أهدافها بعد أن تمّ الاستثمار السياسي الممكن، ممثلًا باتفاق أوسلو الذي سيدخل طور التنفيذ في منتصف عام 1994. ومن جملة ذلك تعهّد القيادة الفلسطينية الرسمية بوقف المظاهر الانتفاضية، خاصة بعد ما وصلت تلك المظاهر عند ممارسيها إلى صور سلبية من الفوضى والفلتان الأمني والنزعة الشوارعية، غدا معه وقفها مطلبًا ملحًّا في أحيان عديدة.

وفي الوقت نفسه تجيء القيادة الفلسطينية الموقّعة على اتفاق أوسلو لتطوي صفحة الانتفاضة هذه، ويصبح الالتحاق بها وبموقفها من قبل أتباعها كنوع من الالتزام القَبَلي الغريزي الذي يريد إثبات وإقرار ما تريده (القبيلة السياسية) مهما كان غريبًا وهجينًا ومستغربًا وملتبسًا وطنيًّا، وبالتالي، فإن هذا المعسكر (فتح) ومن شايعه من أطراف يسارية وقفت على يمينها سياسيًّا، أعلن عن توقفه عن الفعل الانتفاضي في نوع من الالتزام بقرار القيادة من جهة، وفي الدخول في الأجواء الجديدة التي رافقت اتفاق أوسلو من جهة أخرى.

وعُرفت هذه المرحلة تسوية بعض أصحاب الحالات الانتفاضية، كمجموعة الفهد الأسود (من مخيم بلاطة) التي حوصرت في جامعة النجاح في صيف عام 1992، والتي قام المُفاوض فيصل الحسيني (وفد مدريد – واشنطن) بالإشراف عليها، حيث تم إبعاد المجموعة إلى الأردن لمدة ثلاث سنوات. وفي غزة اشتُهرت حادثة إصدار سلطات الاحتلال لعفوٍ جماعيّ عن مجموعة من مطاردي "صقور فتح" ممن تتلطخ أيديهم بدماء يهودية حسب التعبير الصهيوني المُستخدم، وذلك من خلال إشراف شخصيات فلسطينية تفاوضية من قطاع غزة، حدث ذلك، في نهاية العام 1993.

وبهذا أغلق الفريق باب الانتفاضة، واعتبر البعض منهم أنها استراحة مقاتل، ولكن الكثيرين أخذوا ينخرطون ويتكيّفون مع الأجواء الجديدة المتنكّرة بالكامل لسياقهم الوطني السابق.

وهناك من سجّل من المفكّرين والقادة الفلسطينيين وفي وقت مبكّر إمكانية تحوّل الفعل الانتفاضي إلى نمط حياة يستمرّ ويستمرّ: "إلى أن يَختلّ ميزان القوى ويستعصي التناقض بدون حلّ الاستعمار الاحتلالي دون قيد أو شرط"، ويخبرنا صاحب هذا الرأي (في عام 2018) - الذي كان يقف آنذاك على رأس قيادة تنظيم فلسطيني مهم في الأرض المحتلة – بأنه: "منذ ثلاثة عقود، عرفت الساحة الفلسطينية ميْليْن؛ أحدهما دعا لاستثمار الانتفاض الكانوني في أواخر عام 1987 الذي امتدّ خمسة أعوام، فذهب لمؤتمر مدريد 1991، وميْل اعتبر ذلك تثميرًا متعجلًا فيما المطلوب جعل الانتفاضة نمط حياة إلى أن يختلّ ميزان القوى ويستعصي التناقض..."، ورأى أنه مع "مدريد الذي مهّد لاتفاق أوسلو والتزاماته، انطفأت الانتفاضة ونشب انقسام عمودي بين أغلبية النظام السياسي الفلسطيني التي اختارت الميل الأول، وأقلية لا يُستهان بثقلها اختارت الميل الثاني دون قدرة على تعطيل مسار أوسلو الذي انتقل من اتفاق إلى مرحلة".

والحقيقة أن هذا التقييم الذي كتبه صاحبه بعد ثلاثين عامًا من انتفاضة 1987 تعتوِرُهُ اللاصوابية وقلّة الدّقة إلى حدٍّ بعيد، وذلك لتجاوزه الكثير من المعطيات والحقائق الصلبة، ومنها، أن عمليات المقاومة الاستشهادية في التسعينيات كانت عاملًا أساسيًّا أشار إليه سياسيون ودارسون كُثُر في "فرملة" مسار أوسلو الذي كان من تداعياته التسبب باغتيال رابين وصعود اليمين الصهيوني، ثم ذهاب ياسر عرفات بعد فشل قمة كامب ديفيد 2000 إلى "انتفاضة الأقصى"، أما ما تبع ذلك فقد كان الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة ومن شمال الضفة الغربية من طرفٍ واحد من دون قيد أو شرط، ثم الفوز الانتخابي الساحق لمن مثّل خط الانتفاضة والمقاومة في انتخابات 2006 – الذي اعتقد البعض أنه يمثّل أقليّة – ثم بناء قاعدة "مقاومة جبّارة" – حسب تعبير أحد أهم المراقبين الاستراتيجيين الفلسطينيين – في قطاع غزة، حيث أخذ كثيرون يرشّحونها لتكون قاعدة للتحرير.

لا ندري لماذا يتجنب البحث العلمي الجاد المتعلق بانتفاضة 1987 الكبرى، وبالنضال الوطني الفلسطيني في الأرض المحتلة طرح الأسئلة الوجيهة والجديرة: ماذا لو لم تكن هناك "أوسلو"؟ كيف كان سيكون تطوّر الظاهرة الانتفاضية المتدحرجة الذي جاء أوسلو لينهيها (وليفرملها)؟


4- استمرار الانتفاضة المتدحرجة بالرغم من أوسلو وعراقيله بعنوان مدهش

إذا كان فريق أوسلو قد أعلن توقّفه عن الانتفاضة وفعلها المتدحرج، فإن الفريق الآخر (الإسلاميون) الذين شهد فعلهم المتدحرج تسارعًا ملحوظًا في النصف الثاني من العام 1992 الذي انتهى بالإبعاد الكبير إلى جنوب لبنان (مرج الزهور)، ولم يعد فعلهم جزئيًّا أو جانبيًّا أو بالإمكان إخفاؤه وتجاوزه، بل غدا، ولأول مرة، يخطّ متن الحدث الفلسطيني ويصنعه، ويفرض نفسه بقوة على الجميع.

حدث ذلك مع موجة الصعود الأولى عندما قام مجلس الأمن الدولي في بالتداول حول قرار الإبعاد الجماعي الصهيوني الجائر، والذي انتهى بإصدار القرار (799) القاضي بإعادة المبعدين إلى بيوتهم، كما فرض الحدث نفسه على مفاوضات واشنطن المتعثّرة لعدّة شهور. وما أخبرتنا به الوثائق لاحقًا، أن لحظة الإبعاد إلى مرج الزهور كانت هي لحظة رفع الغطاء القانوني عن المنع الإسرائيلي السابق للتواصل مع منظمة التحرير الفلسطينية. وما هو أكثر من ذلك أن التأريخ الموثق للمفاوضات السريّة بين المنظمة وإسرائيل في مسار أوسلو التي كانت قائمة أيام الإبعاد الأولى إلى مرج الزهور على وجه التحديد.. حدث في تلك اللحظة الملتبسة التي أثار السيد ممدوح نوفل (مُوثّق تلافيف تلك المفاوضات السرية ومستشار ياسر عرفات وكاتب سيرته، وصاحب كتاب "قصة اتفاق أوسلو") الشكوك حول السبب الجوهري الذي دفع صاحب القرار الصهيوني حينها (رابين) إلى الانفتاح على المنظمة والسعي لعقد صفقة معها. ويخبرنا نوفل هنا بأن أبو عمار: "كان يطرح أفكاره [حول هذه المسألة] في صيغة تساؤلات من نوع: لماذا يُبعد رابين حماس من جهة، ويُجيز الاتصال مع المنظمة من جهة أخرى؟ وهل توقيت الخطوتين صدفة؟"، وفي هذا السياق يُخبرنا أيضًا أكثر من مراقب ومدقّق وموثّق للأحداث، بذلك الاستنفار الذي سبّبه الصعود النوعي الضارب للفعل الانتفاضي الآخذ بزمام المبادرة وما أثاره من فَزَعٍ وجلبة وشعور بالخطر وفقدان السيطرة، وكان من أهم هؤلاء محمد حسنين هيكل – الذي يمكن اعتباره المراقب السياسي الأول في المنطقة العربية على مدى عقود – والذي أورد فصلًا كاملًا في كتابه "سلام الأوهام: أوسلو ما قبلها وما بعدها" بعنوان: "صيحة الخطر الإسلامي" التي أخذت جميع المراكز الدولية والإقليمية والمحلية المرتبطة بإسرائيل وبالصهيونية وبالإمبريالية الأمريكية، تتنادى للتصدي له!

وكانت المفارقة أنه في الوقت الذي ختم فيه البعض صفحة الانتفاضة الكبرى، كانت هي بالضبط لحظة الدحرجة العالية للفعل المتصاعد الذي أخذت تنتجه الصيرورة الانتفاضية التي أسفر عنها فعل رجال حماس، حيث مهد عام 1993 تحديدًا – عام أوسلو التجلّي الأبرز لظاهرة المقاوميْن القساميين الجسورين اللّذيْن اكتسبا صورة أسطورية طاغية: عماد عقل ويحيى عيّاش، الأول صاحب الاشتباك الجسور والجريء من النقطة صفر، وقد ارتفع بالعمل المقاوم إلى ثورة غير مسبوقة من الجرأة والبسالة والبطولة النادرة، وقد شحن معه جيلا من المقاتلين الأشدّاء أصحاب الهجمات الجسورة على دوريات الجيش الصهيوني تحديدًا، وذلك بالانقضاض عليها واغتنام بنادق وأمتعة الجنود، أما يحيى عياش المهندس الكهربائي المتخرّج حديثًا، لم يمتهن في حياته لحظة تخرّجه سوى هندسة العبوات الناسفة وكهربتها، وفعلًا كان ظهوره في تلك الأيام قدرًا مقدورًا، فكان بحقّ مخترع أو مكتشف البارود بالنسبة لفلسطينيي الانتفاضة.

وبهذا فقد جاء اتفاق أوسلو الطارئ المستعجل كقاطع طريق على الزخم المتعاظم لتلك الدحرجة الانتفاضية الانسيابية التي وُلدت بالكامل من تربة الداخل.

للفعل العسكري المقاوم لحركة حماس، الذي منحها الكثير من اسمها وخطها السياسي والوطني الانتفاضي المقاوم. وكان فعلها يؤكد استمرار الانتفاضة، بل تفجّر إبداعاتها التي بلغت ذروة تجلّياتها في التفجيرات الثأرية (أربع عمليات استشهادية) في أعقاب اغتيال الشهيد يحيى عياش مطلع عام 1996، والتي عُقد في إثرها مؤتمر دوليّ في شرم الشيخ ضمّ ثلاثين دولة، كان هدفه "محاربة الإرهاب" في حالة متطورة من قطع الطريق على الانتفاضة المتدحرجة، لكنهم اختاروا له مسمّى "مؤتمر صنّاع السلام" ليراعوا في ذلك الحرج الذي يمكن أن يلحق بالحكّام العرب المشاركين.

ولا ندري لماذا يتجنب البحث العلمي الجاد المتعلق بانتفاضة 1987 الكبرى، وبالنضال الوطني الفلسطيني في الأرض المحتلة طرح الأسئلة الوجيهة والجديرة: ماذا لو لم تكن هناك "أوسلو"؟ كيف كان سيكون تطوّر الظاهرة الانتفاضية المتدحرجة الذي جاء أوسلو لينهيها (وليفرملها)؟ وكيف كان بإمكان فعل انتفاضي يتدحرج بوتيرة عالية أن يجني ويحقق على صعيد التحرر الوطني والاستقلال السياسي؟

في بعض مستويات التناول، هناك مشكلة سيكولوجية في تعامل فرقاء الإسلاميين مع إسلامييهم. سيُخبرنا عزمي بشارة (ومثله المنصف المرزوقي في تونس) بأن هناك من غلاة العلمانيين المتطرفين العرب من يرى في الإسلاميين عدوًا أشدّ عليهم وأنكى من العداء لإسرائيل!! ولذلك سنجد كثيرا من المطالعات والقراءات تشيد بناءها وقراءتها على أساس حذف الإسلاميين من المشهد، فالحديث عن "الحركة الوطنية الفلسطينية" في نهاية القرن العشرين هو حديث يُتناول لدى هؤلاء التيارات الفكرية والسياسية الوطنية "العلمانية" حصرًا، ويُستثنى – بتعمّدٍ مُخلّ – منها الإسلاميين وكأنهم من طينة أخرى. وهذا ما يفسّر باعتقادنا، اعتبار هؤلاء بأن "الانتفاضة الأولى" قد انتهت مع التوقيع على اتفاق أوسلو، وإذا اضطر البعض للحديث عن الإسلاميين فسيذكرهم بشكل هامشي وطارئ ونافر عن السياق العام للأحداث، أما إذا أراد البعض أن يدرسهم دراسة مستفيضة – لينتحل معها صفة الخبير والمتخصص بشؤون الإسلاميين – فتغلب على هؤلاء الدارسين وضع إسلامييهم في غلاف من الفرادة والاستثنائية المنفصلة عن نسق "الحركة الوطنية" ونسيجها، في نوع من صيغة عدم منحهم الشرعية الوطنية أو الاعتراف بهم، ولذلك فإننا نجد أن خطاب السلطة الفلسطينية في رام الله الذي ينزع شرعية المقاومة الفلسطينية، إنما هو في أحد وجوهه محاولة لنزع الشرعية عن الإسلاميين الذين يعتنقونها ويمارسونها.
التعليقات (0)