قضايا وآراء

العرب على أكف العفاريت

أحمد القديدي
خطط أعداء الأمة في الظلام لضرب جميع العرب بلا استثناء مهما اعتقد البعض منا بأنه في مأمن وهو في الحقيقة المستهدف الأول وعلى مرمى قريب من النار العدوة.
خطط أعداء الأمة في الظلام لضرب جميع العرب بلا استثناء مهما اعتقد البعض منا بأنه في مأمن وهو في الحقيقة المستهدف الأول وعلى مرمى قريب من النار العدوة.
تميز عام 2024 بالتحولات الكبرى التي تطرأ على حياة الأمم الغربية فتغيرها وتدعوها بنداء التاريخ إلى قراءة الأحداث بعيون مختلفة وهو ما يقوم به علماؤها ومؤرخوها بنشر كتب عديدة تعلن نهاية الهيمنة الغربية على العالم وتبشر بعصر تعدد الأقطاب.. كما أن نفس التحولات والأحداث تزلزل شعوبنا نحن ولكن مع الأسف نادرا ما نتأملها ونعتبر بها أو تصدر لدينا كتب أو دراسات تحلل ما يقع لنا وحولنا.

كان زلزال طوفان الأقصى منذ السابع من أكتوبر كذلك هزة عاتية للقوى العالمية بقوة سبعة على ميزان ريختر الحضاري، بدأ العقلاء في الأمم الطاغية يفكون ألغازها. هذا المنعرج الأخطر الذي يهدد مصيرنا بالانفلات وشعوبنا بفقدان البوصلة، دون أن نكون قد تهيأنا نحن ضحاياه لتحمل النتائج ومعالجة التداعيات.

والمؤشرات على هذه العواصف العاتية التي تهب على المجتمعات العربية والغربية كثيرة لعل أهمها تشديد الإبادة المروعة للفلسطينيين بقطع غوثهم أي بإيقاف تمويل وكالة الغوث الأممية (أونروا) من أجل استعمال التجويع إلى جانب الترويع وتصويت الكونغرس الأمريكي يوم الأربعاء الماضي على هذا القرار الأمريكي والتمديد عشر سنوات في فرض العقوبات المسلطة على إيران بعد بإلغاء اتفاق 14 يوليو 2015 الموقع بين إيران والحلفاء، مؤذنا بالزمن الجديد القادم على الأمة فيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد المعلن إسرائيليا من قبل شمعون بيريز وأمريكيا من قبل كوندوليزا رايس وهما مشروعان توأمان يحينهما نانتياهو بتنفيذ ما جاء فيهما ولكن بعنف وهمجية بعد فشل الدبلوماسية الثعبانية في تمرير صفقة القرن!.

مع العلم أن الاتفاق المذكور ليس شأنا أمريكيا داخليا بل وقعته ست دول وصدقت عليه منظمة الأمم المتحدة، ولكن يبدو أن هذه البنود من القانون الدولي تتعامل معها الإدارة الأمريكية كتفاصيل ليست ذات قيمة! فالمتوقع هو ما أعلن عنه المرشد الأعلى للثورة من مواصلة طهران برنامجها النووي من دون أي رقابة وتداعيات هذا المنعرج المفاجئ على دول الجوار.. ثم إن ما سماه الاعلام الغربي (رد الفعل الأمريكي الانتقامي) بقصف مواقع عسكرية في سوريا والعراق كجواب "طبيعي" على مقتل 3 عسكريين أمريكيين في ثكنة تقع في الحدود بين الأردن والعراق بعد أن نفذت طائرات أمريكية أول حلقة من سلسلة انتقامية يوم السبت 3 فبراير وقتلت 70 ضحية..

والمؤشر الثاني للعاصفة هو مزيد انزلاق الأزمة السورية والعراقية إلى مربع المجهول وسياسة الأرض المحروقة مع ما يشهده العالم من تدمير بقية الدول العربية وتحويل عدد منها إلى حرس حدود لإسرائيل! فلم يعد المتحاربون على أرض سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان من عرب وأغراب يدركون لماذا ومن يحاربون ولأية غاية؟ لأن ساحات الوغى المتعددة لم تعد واضحة ولا يعرف فيها من هو الحليف ومن هو العدو ومن هو البريء ومن هو المذنب ومن هو الضحية ومن هو الجلاد! بل لم يعد لدى الجميع تعريف متفق عليه لما يسمى الإرهاب وتحديد من هو الإرهابي ومن الذي يقاوم الإرهاب؟

ثم إن الأخطر في المشهد العربي هو أن جسر الاتفاق المؤقت بين واشنطن وموسكو الذي منحنا عقدا من السلام الهش انقطع وانعدمت شبه الثقة المصلحية العابرة التي نشأت بين العملاقين لتحل محلها حرب أوكرانيا المدمرة ولن تغير الخمسون مليار دولار هبة على أربع سنوات لمهووس أوكرانيا (زيلنسكي) من الحرب شيئا لأنها حرب بدون إستراتيجيا وبدون أهداف ما تزال تزعزع أمن أوروبا وروسيا والعالم!

لعل سببها الأول اغتنام بوتين للحالة الانتخابية المعقدة والحالة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة وميل الرئيس المنتخب بايدن ومنافسه ترامب إلى اعتبار الروس أصدقاء وحلفاء ما داموا كما قال هو يقاتلون أعداءنا المسلمين ويمنعون اتحادهم! ومن جهة أخرى صدر هذه الأيام ملف نشرته "نيويورك تايمز" كتبه "سكوت أندرسون" بعنوان: Fractured lands: how the Arab world came apart? (الأرض المجزأة: كيف تشتت العالم العربي؟)

إن الأخطر في المشهد العربي هو أن جسر الاتفاق المؤقت بين واشنطن وموسكو الذي منحنا عقدا من السلام الهش انقطع وانعدمت شبه الثقة المصلحية العابرة التي نشأت بين العملاقين لتحل محلها حرب أوكرانيا المدمرة ولن تغير الخمسون مليار دولار هبة على أربع سنوات لمهووس أوكرانيا (زيلنسكي) من الحرب شيئا لأنها حرب بدون إستراتيجيا وبدون أهداف ما تزال تزعزع أمن أوروبا وروسيا والعالم!
ويؤرخ كاتب الملف لبداية انفجار العالم العربي إلى دويلات ومقاطعات عرقية وطائفية وسياسية بدءا بمحطة احتلال العراق (9 أبريل 2003) حين أخطأت الولايات المتحدة وعوضا عن أن تحطم النظام كما زعمت وأعلنت قامت بتحطيم العراق كدولة ومؤسسات وحضارة.. وأبرز خطيئة كانت هي قرار حل "بريمر" للجيش العراقي فكانت النتيجة الطبيعية أن يعيد هذا الجيش تشكله في الإطار الوحيد المتوفر وهو إطار العمل السري المسلح وتحت غطاء عقائدي ديني لأنه هو المتاح.. ومن هنا تكَوَّن جنين الحركات العنيفة في رحم الأخطاء والخيارات الأمريكية ونشأ المولود في شكل متطور تحت تسمية "داعش".

وشكل في الحقيقة صرخة فزع انفجرت بسببه الأزمة العراقية ثم السورية العميقة وأصل الداء جاء من تخبط الإدارة الأمريكية التي لم تخطط قبل التاسع من أبريل 2003 لما بعدها من المراحل، فكانت مهمة "بريمر" إسقاط النظام البعثي، ثم أصبحت بالرغم عنه تدمير دولة العراق.. وبالفعل لم يبق شيء يذكر من الدولة أو من الجيش أو من البنية التحتية أو من المجتمع العراقي أو من التعليم أو من التكنولوجيا أو من المتاحف والمصانع وبالطبع لم يبق شيء من التماسك الطائفي الذي صمد في العراق حتى في أدق المراحل وأحلك الظروف.

وهذه الحقائق المريرة كان قد عددها "جيمس بيكر" في تقريره الشهير منذ سنوات بالضبط (ديسمبر 2006) حين أكد العمى السياسي للإدارة الأمريكية وفتح أبواب الجحيم في الشرق الأوسط. فالتقرير الذي وضعه بيكر لم يأت بأمور خارقة أو اكتشافات مبتكرة بل إنه نقل الواقع بأمانة، ليس من أجل عيون العراقيين بل من أجل حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية المهددة بشكل جدي من تعفن الوضع وتفاقم الأزمة في العراق كما نراها اليوم بين السنة والشيعة والأكراد، أما في فلسطين فالبهتان الدولي متواصل بل الجهود الشريرة متضافرة لإدخال الخناس الوسواس في معابر الضفة والقطاع ودق إسفين الفتنة والفوضى بين أبناء الشعب!

هذا هو المشهد العربي اليوم، ويخشى أن تبقى المنطقة كلها على كف لا عفريت واحد بل مجموعة عفاريت. والعفريت الأشرس هو العفريت الداخلي أي الانقسام والفرقة والعداوات المتفاقمة والحسابات الأنانية والمصالح الانفرادية والقضايا الهامشية، في حين يخطط أعداء الأمة في الظلام لضرب جميع العرب بلا استثناء مهما اعتقد البعض منا بأنه في مأمن وهو في الحقيقة المستهدف الأول وعلى مرمى قريب من النار العدوة. فاجتمعوا على كلمة سواء يرحمكم الله، قبل أن ينفخ في الصور!
التعليقات (0)

خبر عاجل