ملفات وتقارير

نقاش مُحتدم.. "مدوّنة الأسرة" تُشعل الخلاف بين "المحافظين" و"الحداثيين" بالمغرب

من يطالب بتعديلات تتماشى مع "المرجعية الإسلامية" ومن يُطالب بـ"الاجتهادات وفقا لتغييرات المجتمع الذي بات حداثيا"- إكس
من يطالب بتعديلات تتماشى مع "المرجعية الإسلامية" ومن يُطالب بـ"الاجتهادات وفقا لتغييرات المجتمع الذي بات حداثيا"- إكس
آراء ومرجعيات مُختلفة، تصدّرت المشهد المغربي، وأشعلت النقاش والخلاف، منذ اللحظة الأولى من إعلان الرّغبة في تعديل مدوّنة الأسرة، أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، بالنظر إلى حجم أهمّية هذا القانون، بالنسبة لجميع المواطنين المغاربة. 

بين من يطالب بتعديلات تتماشى مع "المرجعية الإسلامية" ومن يُطالب بـ"الاجتهادات وفقا لتغييرات المجتمع الذي بات حداثيا"، علَت الأصوات وتضاربت، واحتدم النقّاش، الذي وصل لـ"تراشق الاتهامات".

وبعد مرور عشرين عاما، وعلى الرغم من تحقّق جُملة من المكاسب، فإن إصلاح قانون الأحوال الشخصية لعام 1958 بات ضرورة ملحّة. حيث وجّه ملك المغرب، محمد السادس في 26 أيلول/ سبتمبر عام 2023 رسالة إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تتعلق بـ"إعادة النظر في مدونة الأسرة، خلال أجل ستة أشهر، قبل إعداد مشروع قانون وعرضه على مجلس النواب".

أي تعديلات يُريد المغاربة؟
رصدت "عربي21" الكثير من المنشورات والتغريدات، على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، حيث يكشف أصحابها، عما يودّون طرحه من تعديلات على مدوّنة الأسرة، يقولون إنها "تُناسب واقعهم اليوم"، خاصة فيما يرتبط بالمساواة في الإرث، وتجريم تزويج القاصرات، والسماح بالحق في الإجهاض والتعدد.

وكتب المتخصص في الجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي، إدريس الكنبوري، في تدوينة على حسابه الشخصي في "فيسبوك": "لم يعد دعاة تعديل مدونة الأسرة من منطلقات علمانية يخفون نواياهم؛ وها هم يقولون بأن الدستور يعلو على الفقه الإسلامي".

وأضاف الكنبوري، "مما تجب معرفته أن الفقه يعلو على الدستور في المغرب فعلا؛ فإمارة المؤمنين أسبق من الدستور بقرون عدة؛ أما الدستور فلم يظهر إلا في 1962؛ وإمارة المؤمنين خرجت من الفقه؛ وصفة الملك كأمير للمؤمنين في الدستور تسبق صفته كرئيس للدولة؛ والمجتمع مجتمع مسلم ودين الدولة الإسلام".

وتابع المتخصص في الجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي، موضحا أنه "عندما انسحب الاتحاد الاشتراكي من البرلمان في بداية الثمانينات قام الملك الراحل الحسن الثاني بتفعيل إمارة المؤمنين وليس الدستور؛ وبرّر ذلك بجماعة المسلمين"، مردفا: "ونحن هنا أمام مأزق؛ لأن هؤلاء يتحدثون عن ضرورة الاجتهاد في مدونة الأسرة والاجتهاد يؤطره الفقه".


وأبرز: "الغريب أن هؤلاء يتحدثون عن النقاش والحوار ثم يصفون المغاربة بالمشوشين؛ لأن معنى ذلك أن المغاربة غير معترف بهم بل مجرد مشوشين؛ والمشكلة أن هؤلاء أقلية صغيرة جدا لا تمثل سوى نفسها؛ مع ذلك تريد مصادرة الفقه والدستور والديمقراطية. وعلى فرض أنهم يدافعون عن المرأة؛ فالمشوشون يدافعون عن المرأة والطفل والرجل؛ وبهذا المنطق يصبحون هم المشوشين بموضوع المرأة".

"إنهم يريدون مصادرة مؤسسة إمارة المؤمنين وإفراغها من دورها التاريخي الذي ارتضاه المغاربة؛ ويريدون علمنة الدولة؛ لأن هذا التكتيك له هدف بعيد هو عزل مؤسسة إمارة المؤمنين عن الحقل الديني ليخلو لهم الجو حتى يعبثوا بالدين"، يضيف الكنبوري، متابعا: "لقد قال الرئيس التونسي الأسبق الباجي قايد السبسي نفس الكلام ثم أخذته الملائكة؛ قال لدينا الدستور الذي يعلو على كل شيء".

اظهار أخبار متعلقة


وأكد: "هم يقولون إن المواثيق الدولية هي مرجعية تعديل مدونة الأسرة؛ ونحن نسأل: لماذا تم تجميد جميع المواثيق الدولية في العدوان على غزة ولم يتم تحريك سوى المواثيق الخاصة بالمرأة؟ ولماذا تهزهم الغيرة على المواثيق الدولية حول المرأة ويسكتون عن تلك المتعلقة بالعدوان؟"، مستطردا: "الجواب يتوقف عليه كل شيء".

بدورها أوضحت النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية، فاطمة الزهراء برصات، أنه "في إطار المبادرة التشريعية البرلمانية، تقدمت بمقترح قانون يقضي بنسخ المواد 20، 21 و22 من مدونة الأسرة".

وتابعت برصات، عبر تدوينة لها على منصة "فيسبوك": "يرمي هذا المقترح إلى وضع حد للاستثناء الذي تتيحه المدونة لتزويج الطفلات، والذي للأسف بالنظر للسلطة التقديرية الواسعة للقضاء، والتي تم استخدامها بشكل كبير جدا في اتجاه إعطاء الترخيص لهذا النوع من الزيجات، جعل الاستثناء يتحول إلى قاعدة، حيث وصلت نسبة تزويج الطفلات 9.13 بالمائة من مجموع عقود الزواج المبرمة سنة 2018  أي ما مجموعه 25.514 طفلة متزوجة سنة 2018 (حسب وزارة العدل)".


وأضافت النائبة البرلمانية: "يأتي المقترح في إطار ملاءمة مقتضيات المدونة مع مقتضيات دستور المملكة والاتفاقيات ذات الصلة التي صادق عليها المغرب، بهدف حماية الطفلات اللواتي يعتبرن ضحية لهذا النوع من الزواج، لكون تزويجهن يعتبر سببا مباشرا في حرمانهن من حقوقهن الإنسانية، وعدم التمتع بها على قدم المساواة مع باقي الأطفال، وعلى رأسها الحق في التعليم والترفيه والصحة".

وأردفت: "بالإضافة إلى حرمانهن من فرص تنمية أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية..، ناهيك عن الآثار النفسية للظاهرة على الطفلات.. علما أن الآثار السلبية لهذه الظاهرة لا تتوقف عند الطفلات بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع أيضا..".

نقاش مُشتعل
الكشف عن الرغبة في تعديلات عدد من المواد القانونية في مدوّنة الأسرة، أثار فتيل النقاش وأشعله، بين الأصوات المُتعدّدة التي توجد في المغرب، وممّا "استفز كلام كثر"، هي كلمة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران، التي أتت في مهرجان خطابي لحزبه حول الأسرة.



وقال بنكيران، إن "الشعب المغربي لا يقبل المقترحات الدولية التي تدعو إلى التخلي عن الشريعة الإسلامية، ويرفض القبول بالمرجعية الدولية، التي سيكون من نتائجها تفكك الأسرة بطريقة مباشرة"، مضيفا: "وهو ما حاول معتنقو الفكر الحداثي تشبيهه باستحضار اليساريين والحقوقيين موضوع إملاءات المنظمات الدولية عندما يتعلق الأمر بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية للبلاد".

اظهار أخبار متعلقة


وتابع: "في الوقت الذي يرفض فيه المحسوبون على الصف المحافظ بالبلاد اللجوء إلى المرجعيات الدولية عند إعادة صياغة قانون الأسرة المغربي، خصوصا الاتفاقيات التي صادقت عليها البلاد، لـ"عدم مطابقتها للخصوصية الوطنية"، لا يرى الفرقاء المحسوبون على الصف الحداثي أي نقص في استحضار هذه المرجعيات والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب، معتبرين أن ذلك في مصلحة الأسرة والمرأة المغربيتين".

تصريحات بنكيران، أشعلت فتيل النقاش أكثر، وجعلت عددا من الشخصيات البارزة للرأي العام المغربي، تدلي برأيها أكثر؛ بينهم رشيد حموني، وهو برلماني ورئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، الذي قال في تدوينة نشرها على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك": "تصريحات السيد عبد الإله بنكيران، ليست هي الأولى من نوعها، ولكنها الأخطر على مجتمعنا المغربي وتجربتنا الديمقراطية الناشئة، للأسباب التي سنوردها. وهي تصريحاتٌ متهجِّمَة وأخلَّت، بشكلٍ صارخ، بواجب الاحترام الواجب بين القيادات والأحزاب السياسية".

وتابع: "إنَّ تصريحات الرجل، الذي تَحَمَّلَ يوما ما مسؤولية رئاسة الحكومة المغربية بما كان يُفترَضُ أن يجعل منه رجل دولة، هي تصريحاتٌ مُحرِّضَةٌ على الفتنة والانقسام المجتمعي، وتنطوي على تهديدٍ صريح بـ"الانتفاض" ضد أيِّ إصلاحٍ تحديثي لمدونة الأسرة"؛ وذلك في إشارة إلى أن بنكيران قد قال أيضا: "إن الذين ينادون بتجريم تزويج الطفلات، لا يريدون من القاضي أن يكون هو الحكم في مثل هذه القضايا التي هي قليلة أصلا، بل يطالبون بالتجريم التام بدعوى حماية حقوق الطفلات وضمان تمدرسهن، في وقت لا يكترثون فيه لآلاف من الفتيات لا يستكملن دراستهن".

وأضاف بنكيران: "يطالبون بتشريع العلاقات الرضائية، أي أنهم يقبلون هذه العلاقات خارج إطار الزواج ويرفضونها في إطار الزواج، فضلا عن أنهم يدعمون الإجهاض، وهو جريمة قتل في حق إنسان لا ذنب له ولا جريرة"، وهو ما جعل رشيد حموني، يتابع تدوينته بالقول: "من حق الرجل، من منطلقِ الاختيار الديمقراطي الذي أقَرَّ الدستور أنه لا رجعة فيه، أنْ يُعبِّر عن مواقف غارقة في المحافَظة إزاء قضية المساواة أو أيِّ قضية مجتمعية أخرى، حتى لو كانت خلفية ذلك هي محاولة استعادة أمجادٍ غابرة، علماً أن التاريخ لا يُعيدُ نفسه سوى بشكلٍ كاريكاتوري".

وتابع حموني: "لكن الذي ليس من حق السيد بنكيران هو الافتراءُ والتحريف، بل والتحريض الصريح، في حق مواقف أحزاب سياسية وطنية تشتغل في إطار المرجعية الدستورية الوطنية وثوابت الأمة، منذ عشراتِ السنين، وفي حق مؤسسة وطنية دستورية أساسية هي المجلس الوطني لحقوق الإنسان".

واسترسل البرلماني نفسه: "لقد أطلق الرجل العِنان لاتهامات كاذبة وعبثية لا أساس لها إلا في ذهنه، وبلَغَ به الانسياقُ الكلامي إلى حد إخراج كلِّ مَن له مرجعيةٌ تحديثية من دين الإسلام الحنيف، وإلى تقسيم العالم إلى بلاد الإسلام وبلاد الكفار، وتصنيف المغاربة على أساس فهمٍ شخصي من الرجل للإيمان، من خلال إيهام الناس بأن من هو ضد المحافَظة هو ضد الإسلام والقرآن الكريم"، مستفسرا: "أليس هذا تكفيرا صريحا ودعوة إلى التطرف والمس بأحد المرتكزات الأساسية التي تعضد مجتمعنا المغربي، وهو مرتكز التعددية الفكرية والسياسية الذي اختاره المغربُ منذ الاستقلال!؟".

اظهار أخبار متعلقة


إلى ذلك، كان وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، قد أكد في آيار/ مايو التزامه بالقيام بإصلاحات جديدة وصفها بأنها "المعركة الأخيرة لإنهاء إقصاء وسوء معاملة النساء المتراكم في البلاد منذ سنوات". 

وكانت آخر مدونة للأسرة، للمغرب، قد تم سنّها في عام 2004، أدخلت تغييرات كبيرة فيما يخص عددا من الأمور الرئيسية مثل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. فيما كان قانون الأحوال الشخصية لعام 1958 يسمح للرجل بتعدد الزوجات دون اشتراط موافقة زوجته (أو زوجاته) الحالية، وكان حق المرأة في الطلاق مقيدًا بشدة، ولم يكن مسموحا للمرأة الزواج دون موافقة الوصي القانوني (الولي)؛ فأي تغييرات سوف تحملها المدوّنة الجاري العمل عليها؟
التعليقات (0)