كتاب عربي 21

من المستفيد من عودة الصراع التركي- الإيراني؟

1300x600
عند كل حدث أو تطور عسكري أو سياسي يرتبط بالمصالح الإيرانية أو التركية في المنطقة، تبدأ التحليلات والتوقعات بعودة الصراع التركي- الإيراني واشتعال حرب جديدة لها أبعاد سياسية ومذهبية وتاريخية بين أهم دولتين اسلاميتين في غرب آسيا أو منطقة المشرق. وقد عادت هذه التوقعات والأمنيات مجددا مؤخرا على ضوء تجدد الصراع في منطقة إدلب بين النظام السوري وحلفائه من جهة، وبين تركيا والمجموعات العسكرية التي تؤيدها في شمال سوريا.

ورغم أن القمة الروسية- التركية الأخيرة في موسكو قد توصلت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في منطقة إدلب وإعادة التهدئة للمنطقة، فإن هناك من يراهن أو يتوقع مجددا عودة هذا الصراع، وأن يؤدي إلى اشتباك تركي- إيراني يطيح بالعلاقات المميزة بين البلدين.

فلمصلحة من الرهان على عودة الصراع التركي- الإيراني؟ ومن المستفيد من هذا الصراع؟ وهل ستندفع الدولتان إلى هذا الصراع في ظل المتغيرات والتطورات المتسارعة إقليميا ودوليا؟

من المعروف تاريخيا أن الصراع العثماني- الصفوي انتهى رسميا بين الدولتين، من خلال التوقيع على معاهدة قصر شيرين أو معاهدة زهاب في 17 أيار/ مايو سنة 1639، في قصر شيرين شرق كركوك، وقد كرست هذه المعاهدة الحدود بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية. لكن استمرت بعض الصراعات الحدودية بين الدولتين طيلة القرون الثلاثة الماضية، وصولا لنهاية الحرب العالمية الأولى وقيام تركيا الحديثة، في حين أن الدولة الصفوية انتهت على يد نادر شاه الأفغاني. ولاحقا قامت دولة جديدة في إيران وصولا للقرن العشرين، حيت قادت إيران عائلة بهلوي والتي أطاح بها الإمام الخميني عام 1979 عبر الثورة الشعبية. أما تركيا فتحولت إلى دولة علمانية حديثة من خلال كمال أتاتورك، وصولا إلى تولي حزب العدالة والتنمية قيادة تركيا خلال العقدين الأخيرين.

ورغم الخلافات السياسية والمذهبية والاستراتيجية بين البلدين فقد نجحا في إقامة علاقات اقتصادية واسعة، وخصوصا إبان الحصار الذي تعرضت له إيران وبعد رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إليه.

وكان وصول حزب العدالة والتنمية إلى قيادة تركيا أهم تطور إيجابي لمصلحة إيران، حسبما تؤكد مصادر إيرانية مطلعة، وكانت هناك توصية خاصة من قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الإمام السيد علي خامنئي، للمسؤولين الإيرانيين بضرورة نسج أفضل العلاقات مع رئيس تركيا رجب طيب أردوغان في كل المراحل السابقة. ورغم الأزمة السورية والتطورات التي حصلت في العالم العربي بعد الثورات الشعبية عام 2011، وانعكاس ذلك سلبا على العلاقات الإيرانية- التركية، فقد حرصت قيادة البلدين على تجاوز تلك الخلافات والتباينات والحفاظ على العلاقات القوية بينهما، وقد ساعد ذلك في التوصل إلى اتفاقيات محدودة للأزمة السورية بالتعاون مع روسيا، إضافة إلى معالجة الكثير من الملفات الساخنة بينهما.

وخلال الانقلاب الذي تعرض له أردوغان عام 2015 وقفت القيادة الإيرانية إلى جانبه وقدمت له كافة أشكال الدعم، مما عزز العلاقة بين البلدين، رغم الضغوط الأمركية ومحاولة بعض الدول العربية إبعاد تركيا عن إيران. فالعلاقات بينهما تعززت في كافة المجالات.

فهل ستؤدي التطورات في إدلب إلى إعادة توتير العلاقات بين البلدين؟ وما مدى صحة الرهان على عودة الصراع التركي- الإيراني؟ ومن يستفيد من هذا الصراع؟

رغم ما خلّفته الأزمة الأخيرة من بعض الانعكاسات السلبية بين البلدين وحلفائهما، فإنه كان من الواضح أن قيادة البلدين وكذلك حليف إيران (حزب الله) عملوا على عدم دفع الأمور نحو صراع مفتوح، وكان القرار بالمسارعة لمعالجة المشكلات التي حصلت ودعم الاتفاق الروسي- التركي لوقف إطلاق النار، رغم ما يواجهه هذا الاتفاق من عقبات وإشكالات ميدانية.

وإن الرهان على عودة الصراع بين البلدين يخدم كل من ليس له مصلحة ببقاء هاتين القوتين في المنطقة، سواء الكيان الصهيوني أو بعض الدول العربية أو أمريكا، إضافة إلى أن الخلاف بينهما يعزز الدور الروسي، ويجعل روسيا أو أمريكا أو إسرائيل من يتحكم في أوضاع المنطقة، كما ستكون له انعكاسات سلبية على الأوضاع الاقتصادية في كلا البلدين، في ظل ما يتعرضان له من ضغوط خارجية وأوضاع، ولا سيما بعد انتشار فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط، والأزمات الاقتصادية في العالم، والأخطر من كل ذلك عودة العالم العربي والإسلامي إلى تأجيج الصراعات المذهبية والدينية، بدل أن يكون البلدان قوة مستقبلية لتطوير العالم العربي والإسلامي نحو الأفضل.

طبعا لا يعني هذا الكلام عدم وجود خلافات وتباينات بين البلدين حول العديد من الملفات، وخصوصا حول الوضع في سوريا وكيفية الوصول إلى حل سياسي جذري لهذه الأزمة، لكن تحويل الخلاف والتباين إلى صراع عسكري ليس لمصلحة البلدين وحلفائهما، ولذا المطلوب البحث عن القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين البلدين، وأن يتحولا لقوة ضاغطة ومشتركة للوصول إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة، بدل الرهان على الصراع العسكري وإعادة الخلافات التاريخية، ونبش كل أشكال الحقد القديمة، وهذا ليس لصالح العالم العربي والإسلامي، بل لخدمة أعدائهم فقط.