قضايا وآراء

الفيتو.. عضلات المحتل والطاغية

1300x600
للمرة الخامسة عشرة، تستخدم كل من روسيا والصين حق النقض "الفيتو" على القرارات الدولية المتعلقة بتسوية الصراع في سوريا، أو للحد من بطش الأسد بالسوريين.. مرة جديدة يفشل المجتمع الدولي في مد يد العون للشعب السوري، ويقف عاجزا أمام تدحرج مأساتهم منذ العام 2011.

شكل الفيتو الأخير الصيني الروسي؛ الجدار القوي لإسناد نظام الأسد وحماية جرائمه، بعد إفشال معظم القرارات الدولية المطالبة بإنهاء العدوان على السوريين، والتخفيف من معاناتهم، وتعطيل المسار السياسي والإنساني لصالح حضور وحشية روسية خلف الأسد.

تعطيل دخول المساعدات الإنسانية يعزز القناعة بالدور العاجز والمفضوح للمنظمة الدولية في حماية السلام الدولي، وحماية حقوق الإنسان.. هذه القناعة مترسخة منذ سبعة عقود في وعي الشارع العربي، الذي حفظ عن ظهر قلب كلمة "الفيتو" التي كانت عنوانا بارزا لحماية المؤسسة الصهيونية وعدوانها على الحقوق الفلسطينية والعربية. إذ لجأت الولايات المتحدة لاستخدام حق نقض القرارات الدولية في مجلس الأمن عشرات المرات منذ النكبة؛ عند كل قرار يطالب فيه من إحقاق العدالة الدولية والإنسانية للفلسطينيين، لتعيد كل من موسكو وبكين اليوم استخدام الفيتو كتقليد لغطرسة أمريكا في الحقب المختلفة من الصراع العربي الإسرائيلي، واستخدام حضورهما في المحافل الدولية لحماية نظام الأسد والدفاع عن جرائمه.

وفرت موسكو وبكين حماية موازية لعملية شطب حق السوريين في العدالة والحرية والكرامة، وفي العمل على تسويف القرارات الدولية، من خلال ابتزاز المجتمع الدولي بطلب تخفيف الحصار عن نظام متهم بارتكاب جرائم متشعبة، مقابل السماح بدخول المساعدات الإنسانية لشعب تعرض لمأساة بفعل عدوان موسكو وحليفها في دمشق.

 الفيتو، في الذاكرة العربية الفلسطينية والسورية منذ العام 1948، يستخدم كعضلات للقوة المركبة لقوة الاحتلال التي ينافسها بعضلات مماثلة الطاغية السوري. وبين الأول والأخير مباهج غير نهائية من مظلة الحماية التي يتنعم بها كل منهما.

هناك من يرى من نخب محور موسكو وبكين في العالم العربي أن حقهما الناقض للشرعية الدولية، لا يضرب جذر الشرعية التي يطالب بها الشعب الفلسطيني، لاختلاف المفهوم. إلا أن "المهارة" الروسية الصينية في ممارسة لعبة توزيع الأدوار مع القوى الدولية التي لها حق استخدام الفيتو؛ لم تظهر في وجه غطرسة وقوة الاحتلال الإسرائيلي، ولم توفر حضورا بالمعنى المادي والمعنوي كالذي ثبتته لحماية نظام الأسد. الافتتان بفيتو موسكو وسياستها على الساحة السورية من نخبها العربية؛ هو لتحاشي اتخاذ موقف واضح من قضية مصيرية متصلة بمستقبل الشعب السوري ككل، ومواجهة الجرائم التي يتعرض لها.

في كل دورة مراجعة للمنظمات الدولية، وتقصّي الحقائق لملف جرائم الحرب، واستخدام الأسلحة الكيماوية وسلاح التعذيب والحصار والتجويع، تشير التقارير مجتمعة لمسؤولية نظام الأسد عن معظم الجرائم، ومع توفر أطنان من الأدلة المادية والحسية والقانونية، تلجأ كل من موسكو وبكين لاستخدام حق النقض ضد أي قرار يدين نظام الأسد.. مراجعة عرف خيباتها الفلسطينيون والعرب من قبل.

وبدون معرفة هذه الجذور سوف يصعب علينا وربما يستحيل التعرف على رؤية موسكو لقضية مستقبل وحرية السوريين دون نظام الأسد. فقد اتسم السلوك الروسي على الأرض السورية بالطابع العدائي المباشر، في الوقت الذي يحاول إبداء حرصه على "وحدة الأرض والسيادة السورية" ظاهريا، بينما يمارس الروس سلوك المحتل الفعلي على الأرض لتأمين مصالحهم المرتبطة بوجود الأسد، والتي وفرت لهم قواعد عسكرية جديدة، ورهنت مقدرات السوريين لعشرات السنين عبر عقود صورية.

تدل تصريحات ومواقف موسكو في المحافل الدولية، تجاه القضية السورية، وسياستها على الأرض، والقائمة على تسخير قوتها العسكرية بضرب معظم المدن والقرى والأحياء بمختلف أنواع الأسلحة؛ دعما لتثبيت الأسد، واستخدام أساليب الخداع والتهديد والابتزاز للسوريين وللمنظمات الدولية. على أن استمرار سيطرة الأسد وحمايته لا تعود فائدته لموسكو فقط، بل تتركز على الوظيفة المدعومة من روسيا التي تمثل رسائلها وتفاهماتها التنسيقية مع الإسرائيلي والأمريكي والغربي تقاطعا في المصالح.

الأمريكي غير غاضب من السلوك الروسي في سوريا وفي مجلس الأمن، وحق النقض تثبيت "لحق" مواز تستخدمه الولايات المتحدة منذ عشرات السنين لدعم الاحتلال الصهيوني وتمكينه على الأرض، ولإبطال مفاعيل القرارات الدولية. بنفس القدر والتوازن القائم على دعم الطاغية السوري والمحتل الصهيوني تعيد موسكو للعالم قطبه الآخر المتغطرس لا لدعم حق السوريين، بل لتثبيت مقولة "لا حق ولا تحرر خلفه فيتو".

وأخيرا، الحضور العسكري الروسي المدمر في سوريا مع ممارسة دبلوماسية تركيب عضلات للطاغية بفيتو جديد.. لم يُفتح لموسكو باب الحضور في ملفات كملف القضية الفلسطينية بغير التوازن القائم على دعم الطاغية الأسدي، ودعم المحتل الصهيوني بعضلات مشابهة، فهل كان من غضب روسي مضاد لحصار الشعب الفلسطيني أو العدوان عليه، كغضب بوتين لتأمين انفراجه تطلق يدي سفاح السوريين أكثر؟

twitter.com/nizar_sahli