قضايا وآراء

سياسة الفَنْكوش!

1300x600
الفَنْكوش لفظة عاميَّة مصريَّة ظهرت للمرَّة الأولى في فيلم "واحدة بواحدة"، للممثل المصري عادل إمام(1). وهي في الفيلم اسمٌ لحلوى مُسْكِرَة، تحوي جرعة شديدة التركيز من الخمر، حتى إنَّ تناول بضع قطع منها قد يذهَب بعقل الآكل تماماً، كأنما جرع عدَّة زجاجات من المُسْكِرِ؛ فلا يدري بعدها ماذا يفعَل.

وقد اختَلَق رجل الدعاية والإعلان وبطل الفيلم، صلاح فؤاد (عادل إمام)؛ اسم "المنتَج" اختلاقاً آنيّاً من وحي اللحظة، في محاولته التفلُّت من مأزق راكمه الكذب والادعاء والهزل، والتلاعُب بصديقته الراقِصة، التي وَعَدها بأن يصنع منها نجمة إعلانات ويُقدِّمها للسينما؛ فاضطر إلى اختلاق الفنكوش اسماً بغير مُسمَّى ليسترضيها، بعد أن كادت تشي به للغرفة التجارية، وتكشف لهم أساليبه "اللا أخلاقيَّة" في إدارة عمله. لكنَّ رجل الإعلان لم يكتَفِ باختلاق الكذبة شفاهَةً فحسب، وإنما لَزِمه إحكامها حتى يُقنِع ضحيَّته (الراقصة)؛ فصوَّر حملة إعلانيَّة تشويقيَّة كاملة لهذا المنتج معدوم الوجود، ومنحها بطولتها، وهو ينوي وأد المادَّة المصوَّرة. لكن يشاء القدَر أن يُطلَب من رئيسه المذبذَب الشخصيَّة (أحمد راتب) البت في أمر الحملة المصوَّرة، حين كان صلاح نفسه مُتغيِّباً عن الشركة استعداداً لإجازة طويلة؛ فيدفع الأول بالحملة إلى النشر، لتنعَقِد الحبكة الدراميَّة بمفارَقَةٍ قدريَّة؛ إذ يصير الفنكوش حديث الناس في كل مكان!

وإذا كانت مايسة (ميرفت أمين) خصم البطل، ومنافسه في عالم الإعلان؛ هي التي حاوَلَت دفع الراقصة لِتَشي بصديقها المنحَل، فإن خصومتها كذلك هي أحد الدوافع الدراميَّة للتعجيل باختلاق مُسمَّى لهذا الاسم، الذي طبقت شُهرته اﻵفاق بسبب الحملة الإعلانيَّة الكثيفة، رغم أن أحداً لا يعرف ماهيته. فقد سَعَت مايسة إلى التعرُّف على الدكتور أيوب، الكيميائي الذي يُفتَرَض أنه صاحب الاختراع المجهول، لكنَّها وقعت في حبائل خصمها، الذي تقمَّص شخصيَّة الكيميائي المُختَرع لفترة؛ ليُلهيها عن أيوب الحقيقي ريثما ينتهي مما كلَّفه به. وحين تكتَشِف مايسة خدعة خصمها؛ تستدرجه ثم تتركه على الشاطئ عارياً، وتتقدَّم ضده ببلاغ إلى الغرفة التجاريَّة المختصَّة، التي تستدعيه إلى التحقيق بتُهمة الإعلان عن سلعة لا وجود لها؛ لكنَّه يَصِل في اللحظة الأخيرة وبصحبته علبة الحلوى المسكِرَة (وصانِعها!)، التي ما إن يتناول منها الجميع حتى يفقدوا رُشدهم، وينتهي الموقِف بالخصمين في غُرفة بأحد الفنادِق؛ ليُفيقا في اليوم التالي ويجدا أنهما قد تزوَّجا.

* * *

ورغم أن الفيلم المصري لا يطوي أيَّة مضامين سياسيَّة ظاهرة؛ فإنه يُذكرنا على الفور بالفيلم الأمريكي العبقري: "Wag the Dog"، الذي أنتج عام 1997م، وقام ببطولته داستن هوفمان وروبرت دي نيرو، ويدور حول مسؤول العلاقات العامة الاستخباراتي (دي نيرو) الذي يستأجر مُنتِجاً من هوليود (هوفمان)؛ ليُلفِّق قصة سينمائيَّة عن إعلان أمريكا للحرب على ألبانيا، حتى يُشتت انتباه الناخبين ويصرف أنظارهم بنجاح عن فضيحة الرئيس الجنسيَّة. ومن عجائب هذا الفيلم أنه عُرِض قبل شهر واحد فقط من انفجار فضيحة مونيكا لوينسكي، وقصف إدارة كلينتون اللاحق لمصنع الشفاء السوداني للأدوية؛ لتشتيت الانتباه. وقد وقعت حوادِث كثيرة مشابهة - في الشرق والغرب - صار فيها هذا "الخيال السينمائي" واقعاً، وآخرها حادثتان في عهد إدارة ترامب. كانت الأولى هي قصفه لسوريا (نيسان/ أبريل 2017م) إبَّان التحقيقات في مسألة التدخُّل الروسي للتأثير على مجرى الانتخابات الأمريكيَّة والتي كادت تؤدي لعزله، أما الثانية فهي اغتياله قاسم سُليماني (كانون الثاني/ يناير 2020م) أثناء إجراءات عزله الأوَّل. وقد صار عنوان هذا الفيلم نفسه (Wag the dog) اصطلاحاً سياسيّاً يعني خلق مسرحيَّة إعلاميَّة لتشتيت الانتباه عن وضعٍ مُدمِّر سياسيّاً. وأصل هذا الاصطلاح اصطلاح آخر أطول وأقدم (The tail Wagging the dog)، يعني حرفيّاً أن الكلب يُقاد من ذيله، وتُقصَد منه الإشارة إلى تحكُّم شيء تافه في أمر أضخم وأشد جسامة.

* * *

عودٌ على بدء، إلى الفيلم المصري الذي يدور بالأساس حول محورين اثنين، أولهما السلعة معدومة الوجود، التي صارت اسماً "مُستقلّاً" بوجوده بغير مُسمَّى فعلي، حتى يُلفَّقَ وجودها في نهاية الفيلم ليُكسِبَ هذا الاسم الخاوي وجوداً ماديّاً، أما المحور الثاني فهو الكيميائي المستأجَر لاختراع أي مُسمَّى لهذا الاسم. وقد كان كلا المحورين في حقيقة الأمر مجرَّد ستارٍ يتوارى خلفه بطل الفيلم برهة، لكي يتمكَّن من التلاعُب بضحيَّته، وذلك ريثما يَكتَسِب الستار حياة "مُستَقِلَّة" ويصير غير صالح كقناع. فالاسم سينتَفَى دوره كستار خادِع على مرحلتين، الأولى حين تُعرَض الحملة الإعلانيَّة على الملأ؛ فيتورَّط صلاح فؤاد في محاولة إيجاد مُسمَّى للاسم، أما المرحلة الثانية فهي ظهور "المُسمَّى" على يد الكيميائي أيوب (المحور الثاني)؛ الذي يخرج أخيراً من القبو، ويكتَسِب حياةً خاصَّة بعد ارتباطه بالاسم، بوصفه "مُختَرِع" المسمَّى الفذ! ولهذا؛ كان الاطراد الدرامي المنطقي هو انسحاب "البطل" حين اتَّحدَ الاسم بمُسمَّاه، وارتبط هذا الوجود الجديد بـ"صانعه" المُستأجَر، وتحوَّلَت الخدعة المتراكِبَة إلى "حقيقة" ذات وجود مستَقِل!!

والفيلم الأمريكي الأصلي، الذي استُنسِخَ منه الفيلم المصري؛ تُصنَّف حبكته على أنها حبكة توَهُّمُ هويَّة شخص في آخر مُخادِع، أي أن عصب الحبكة هو الوهم. فكأن الشخصيَّة المتوهَّمة ليست سوى قُنبلة دخان يتوارى خلفها المخادع/ النصَّاب حتى يبلُغ مأربه، لكنَّها في نهاية المطاف، وفي التحليل الأخير قُنبلة، أي تَجَلٍّ من تجليات "الحقيقة" الصادِمة، لكنَّها قنبلة للإلهاء وجذب الانتباه، لا للإصابة المباشِرة؛ فنصيبها من الإصابة كنصيب الشخصيَّة الزائفة من أصلها المفتَرَض. وإذا كان الفنكوش قد وُلِدَ في الأصل بوصفه غطاءً وهميّاً لطمس معالِم خدعة واحدة، فإن الحبكة الدراميَّة قد لفَّقَت منه "حقيقة" تتوارى خلفها شخصيَّة رجل الإعلان المخادِع؛ أولاً لخداع الراقصة ثم لخداع خصمه في عالم الدعاية (مايسة). وربما كانت المفارقة التي تتكشَّف في نهاية الفيلم هي كون هذه "الحقيقة" الماديَّة الملموسة هي الأخرى مُخدِّرة مُسكِرَة، أي تذهب بالوعي وتذهل من يتناولها؛ فكأنما ليس لها من "الحقيقة" إلا الاسم!

وفكرة السُكر/ الخِدر تكاد تكون هي الخيط الناظِم للفيلم وبنيته التحتيَّة؛ فرجل الإعلان المخادِع (وكل صناعة الإعلان كذلك!)، لا يبلُغ مآربه إلا بالتلاعُب بوعي الضحيَّة وتخديرها بصورةٍ ما، مثله في ذلك مثل فصيل كبير من الحيوانات والزواحِف الفتَّاكة. فهو يُخدِّر الراقصة بأوهام الشُهرة السينمائيَّة؛ لتُمتِّع ضحاياه من الرجال، ثم يتلاعب بعقل صاحب مصانع الورنيش (علي الشريف) بخلفيَّة تاريخيَّة مزيفة حتى يطمئن له؛ فيسقيه خمراً حقيقيَّة ليوَقِّع معه عقد حملته الإعلانيَّة، ويُخدِّر الدكتور أيوب الكيميائي بالمال حتى يختَلِق له فنكوشاً، ويخدِّر اللجنة التي تنظُر في أمر ممارساته المهنيَّة؛ لتخرج أحكامها لصالحه، تارَّة بأن يُرسِل لهم الراقصة- الشاهِد لتعرِض عليهم مفاتنها، ثم يُخدرهم آخر الأمر تخديراً حقيقيّاً بإطعامهم حلوى الفنكوش المسْكِرَة، حتى يذهلوا عن أنفسهم. لكنَّ الشخص الوحيد الذي لا يستطيع الاستمرار في التلاعُب به بعد تخديره هو خصمه مايسة، المتحفِّزَة أصلاً، التي لا يستطيع حتى إبقائها طويلاً تحت أثر المخدِّر؛ إذ تَرُدُّ له الصاع صاعين بمجرَّد أن تتعرَّض لمنبِّهٍ خارجي، وتتأكَّد أنه دعيٌّ مخادع، وليس الكيميائي الذي ظنَّته.

ولعلَّ هيمنة هذه الذهنيَّة الحيوانيَّة على رجل الإعلان تتجلَّى منذ المشاهد الأولى للفيلم؛ ففي حين يصِل هو إلى العمل نائماً في سيارة إحدى عشيقاته، ويبدأ يومه بجمع المعلومات عن نقاط ضَعف ضحيَّته، حتى يستطيع التقرُّب منه وتخديره؛ فإن خصمه (مايسة) تَصِل إلى عملها منتبهة، وتبدأ يومها بإعداد عناصر "حقيقيَّة" لحملة إعلانيَّة ناجحة؛ فهي تُريد أن تُخاطِب احتياجات عميلها "الحقيقيَّة"، لا الالتفاف حول عاطفته ورشوته بتلبية شهواته؛ ليتواطأ معها ضد نفسه، كما يفعل الزبون/ المواطِن/ الضحيَّة، الذي يُخدِّره أمثال صلاح فؤاد!

لقد كان مفتاح ثقة واستمالة قلب الزبون الوحيد في الفيلم (علي الشريف)، الذي تستَعِر بسببه الخصومة بين صلاح ومايسة؛ هو تلفيق خلفيَّة اجتماعيَّة وسياسيَّة مُشتركة. ورغم أن هذا النوع من "المصادفات" يَسهُل كشفه ودحضه من تاجر مُحنَّك مثل مرسي أبو المراسي، وتعرية من يدَّعيه؛ فإن "صلاح" كان حريصاً على أن تحدث مثل هذه المكاشفة والرجل يفقِد وعيه ببطء عن طريق الخمر، حتى لا يُسائل أو يختبِر أيا من دعاوى نصاب الإعلانات. فإذا قال له: "أنا منكم، وأولى بكم؛ جئت من نفس الخلفيَّة، وآكل ما تأكلون وأعيش كما تعيشون"؛ استحال تقريباً على التاجر الثَمِل رد الدعوى، بل إنه سيفعل العكس في مثل هذه الحال من السُكر؛ إذ سيُقَدِّرُ محاولة التقرُّب، ويعتبرها مفخرة!

ومنذ عرض هذا الفيلم؛ صارت لفظة الفنكوش في العاميَّة المصريَّة دالاًّ على الاسم بغير مسمى، أو الجعجعة بغير طحن، أو قنابل الدخان التي تُلقى للإلهاء، أو عليها مجتمعةً. وصار بوسعنا كذلك تجريد ثلاثة مؤشرات على "الفنكوش" في حبياتنا العامَّة والخاصة على حدٍّ سواء: أولها استعمال الطرائق "المشروعة" ظاهراً لبث الفنكوش (وهي طرائق مثلها مثل مسجد الضرار!)، وثانيها ضخامة الدعاية لهذا الفنكوش في وقت جد قصير، وثالثها قِصَر عُمر هذا الفنكوش ودعايته وموته "المفاجئ"؛ فبعد أن يملأ الدنيا طنيناً سيختفي في غمضة عين، ولن يجرؤ أحد على الحديث عنه؛ كأن لم يغن بالأمس!
__________
(1) أُنتِج الفيلم عام 1984م، وهو من "تأليف" و"إخراج" نادر جلال، وأقواس التنصيص للتحفُّظ على الأوصاف، بما أن الفيلم تمصيرٌ شبه كامل لفيلم أمريكي (Lover Come Back) أنتج عام 1961م، ولم يتعدَّ دور "المؤلف" و"المخرج" كتابة الحوار بالعاميَّة المصريَّة.

twitter.com/abouzekryEG
facebook.com/aAbouzekry