تقارير

الشاعر الفلسطيني حسن البحيري.. كان عاشقا ومفتونا بحب حيفا

الشاعر حسن البحيري.. عاصر النكبة وعاش تجربة اللجوء والتهجير وسجلها شعريا..

أواصل في هذا القسم عن هوية فلسطين وتراثها، تلمس معالم هذه الهوية في سيرة نخب ومبدعي الشعب الفلسطيني، وأتوقف اليوم عند اسم الشاعر الفلسطيني حسن البحيري.. لم يرتبط اسم شاعر فلسطيني بمدينته كما ارتبط اسم الشاعر الفلسطيني العصامي حسن البحيري بمدينته حيفا، المدينة التي تصبح أجمل عندما تقرأ عشقه لها في شعره. وحتى عندما أراد الشاعر هارون هاشم رشيد أن يكتب عنه، كتب كتابه "مدينة وشاعر: حيفا والبحيري". وقد حضرت حيفا في شعره على الدوام ترميزاً وصراحة، فكانت أوضح ما تكون في عنوان ديوانه "حيفا في سواد العيون".

حيفا وأنتِ مِزاجُ الرُّوحِ في رَمَقي  ..    وعُمْقُ جُرحِ الجَوى في مُوجَعي الخَفِقِ
يَشُدُّني لكِ شوقٌ لو غَمَسْتُ لَهُ      ..يَراعَ شِعريَ في صَوْبِ الحَيا الغَدِقِ
ورُحْتُ بالحبِّ والذِّكرى أُصَوِّرُهُ   .. دمعاً على الخَدِّ أو حَرْفاً على الوَرَقِ
لَجَفَّ حِبري ولمْ أبْلُغْ قَرارةَ ما    .. ضَمَّتْ جَوانِحُ صَدري مِن لَظى حُرَقي
 
ولد حسن البحيري في حي وادي النسناس في حيفا سنة 1921، بعد وفاة والده بعدة أشهر فسمي باسمه. كانت حالة أمه، آمنة أبو هواش، صعبة اقتصادياً بعد وفاة زوجها، فتزوّجت من سائق عربة بغال وأنجبت منه. عامله زوج أمه بقسوة شديدة ومنعه من العيش معهم في البيت، مما اضطره للسكن في اصطبل الدواب، والعمل في أشغال شاقة كالعتالة. وقد اضطرت أمه لاحقًا أخذه إلى ملجأ الأيتام في حيفا وذلك لشدة تعامل زوجها معه، حيث تلقى دروسه الابتدائية فيه، ودرس بكتاتيب المدينة ومن ثم التحق بالمدرسة الأميرية الابتدائية في حيفا.

عندما كان حسن في الصف الرابع الابتدائي توفي زوج أمه، فترك تعليمه ليعيل نفسه وأمه واخوته، فعمل في محطة سكة حديد الحجاز عام 1933. عمل حسن في تنظيف القطارات ومن ثم في دائرة التوظيف التابعة لمصلحة القطار، وأتاح له هذا العمل التردد على مصر ومقابلة بعض الأدباء المصريين.

بعد تهجيره وعائلته من حيفا عام 1948، عمل مراقباً للقسم الأدبي في إذاعة دمشق، ثم رئيساً لدائرة البرامج الثقافية في المديرية العامة للإذاعة والتلفزيون حتى تقاعده.

حاز شاعرنا على وسام القدس سنة 1990 تقديراً لإنجازه الأدبي، وتوفي في دمشق في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 1998، ودفن في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك.

وللشاعر البحيري نحو 13 ديواناً صدرت على مرحلتين يفصل بينهما ربع قرن، توقف عن الإصدار ولم يتوقف عن كتابة الشعر فيها، الأولى قبل النكبة: الأصائل والأسحار (1943) ـ أفراح الربيع (1944) ـ ابتسام الضحى (1946).

والمرحلة الثانية بعد النكسة

حيفا في سواد العيون (1973) ـ لفلسطين أغني (1979) ـ ظلال الجمال (1981) ـ الأنهار الظمأى (1982) ـ تبارك الرحمن (1983) ـ جنة الورد (1989) ـ رسالة في عيد (1990) ـ لعيني بلادي (1993) ـ سأرجع (1994) ـ ألوان (1995)..

ويُعدّ شاعرنا زمنياً من الشعراء المخضرمين الذين عاصروا النكبة وعاشوا لاجئين بعدها، وفنياً من رواد الشعر الكلاسيكي الملتزم وزناً وقافية ومخيالاً، محافظاً على إرث الشعر العربي في فلسطين مع كوكبة الشعراء الذي تناولنا سيرتهم من رواد الموجة الثانية للنهضة الأدبية في فلسطين.

مما قاله في عصر النكبة، كانت قصيدته التي هاجم فيها الزعماء العرب حين وافقوا على وقف القتال مع العدو، مخالفين إرادة شعوبهم، وتصريحاتهم السابقة:

يا رعاديد يا غنم       ..    غادروا هيئة الأمم
كيف تخشون ويحكم  ..   زمرةً باعت الذمم

وعوّل البحيري في المناسبة نفسها بقصيدة أخرى على شعبه بدلاً من الزعماء، فقال فيها:

لا الدموعُ الغِزارُ في النحبِ تمضي  ..    بعدوٍّ، ولا التأوُّهُ يودي
فالبسي للنضالِ بأسَ الليالي     ..     وثِبي للقتال وثبَ الفهودِ
قسّم الجَورُ موطناً أنتِ منه    ..       أمّةٌ أثَّلتْ عروش الخلود

في ديوانه الجميل "حيفا في سواد العيون" يخاطب الشعب كاشفاً قناع الزعماء في قصيدته "الصنم والمعبود":

فعبدتم من الزعامة جهلاً  ..     صنماً مثبتاً على الألواحِ
حدثوني عن الزعامة، ماذا   ..     أدركت بحَلْبة الإصلاحِ

ثم يحرّض الشعب على هذه الزعامات من أجل تحرير فلسطين فيقول في بعض أبياتها:

كيف ترضى الحياة عبداً ذليلاً    ..       مستكيناً لم تثُر للكفاحِ؟
أنت في زورق الزعامة مجذافٌ   ..        تلهَّتْ به يدُ الملاّحِ
فانفض النِّير عن كواهل ذُلٍّ    ..        وارمِ بالقيد وجهَ باغٍ وقاحِ
وامضِ بعد الخمول في سبل العيش ..   عزيز الجناب طلقَ الجناحِ

ولا تقتصر قصائد شاعرنا على اللوم والاستنهاض، بل يفتخر بالشعب المجاهد في سبيل تحرير البلاد، وخصوصاً في ديوانه "ابتسام الضحى"، نختار جزءاً من قصيدة "معاقلنا":

هذي معاقلنا الأبيّة لا تذلُّ ولا تلين
هي موئل المجد التليد ومهبط الروح الأمين
ثُرنا لها كيما نعيدَ الحقَّ وضّاح الجبين
ثُرنا ونبقى، ما اعترانا الضيمُ فيها ثائرين
حتى يلين لنا العنيدُ ونحرزَ النصرَ المبين
 
وللشاعر قصيدة طويلة وجميلة عنوانها "المسجد الأقصى" من ديوانه "لفلسطين أغني"، يضيق المجال عنها هنا، تتميز بالبُعد الديني وتأثير الأماكن المقدسة في شعره، حيث يبدأ من القدس والأقصى ويعرّج على الناصرة وكنيسة القيامة وبيت لحم.

ويَبرز البُعد الديني في قصيدته في ذكرى المولد النبوي الشريف:

يا يوم ميلاد النبي محمد ..       يا مفرداً في الدهر عن أضرابِهِ
ما كنتَ إلا عبرةً لأولي النهى ..   كرَّ الزمان بها على أحقابِهِ
ما كنتَ ذكرى مأكلٍ أو مشربٍ ..  أو ملبسٍ تُغري بُرُوقُ سرابِهِ
ما كنتَ إلا ذكرةً وضاءةً..        ضاءت لذكراها سبيل صوابه 
  
وتوفي عاشق حيفا حسن البحيري، قبل أن يجد الجواب على أبياته:

هل يردّ الزمانُ صفوَ الليالي .. لغريب الأهل والأوطانِ؟

ولعل أبلغ ما أختم به هذا المقال ما كتبه صديقه الناقد الدكتور صبحي عبيد في مقدمة الأعمال الكاملة "صناجة فلسطين..  حسن البحيري": "لم يكن يؤنس البحيري في بيته إلا مكتبته وقصائده التي يحنو عليها حنوّ الوالد على أولاده، يضاف إلى ذلك اللوحات التي تُظْهرُ معالم المدن الفلسطينية. إن بيت البحيري معرض للصور الفلسطينية، وقد أخبرني الشاعر أنه عازم على إهداء بيته بكل ما فيه لفلسطين ليكون مركزاً ثقافياً فلسطينياً يحمل اسمه، وجاء في وصيته ما يأتي:

وصيتي أن يُوقَفَ بيتي بعد موتي مركزاً ثقافياً باسم:
"بيت فلسطين"
"مركز الشاعر حسن البحيري الثقافي"

وأوصيتُ أن يبقى فيه هذين البيتان معلّقين على أحد جدرانه:

هذا عطائي ـ على جُهدِ المُقِلّ ـ لكُم
أبناءَ قومي.. ولم أَخصُصْ بهِ أحداً
كالعشبِ تخضلُّ حولَ القبرِ نضرَتُهُ
وليس يَعرِف من في لحدِهِ رقَدَ