أفكَار

لماذا لم يستفد الإسلاميون من كتابات النفيسي النقدية؟

كتاب "دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث" كان إضافة نوعية للفكر الإسلامي

تابعت بعناية برنامج "موازين" على قناة "الجزيرة"، الذي استضاف الدكتور عبد الله فهد النفيسي لمناقشة وتقييم ونقد مسار الحركة الإسلامية، وحاولت أن أجمع الملاحظات النقدية التي ساقها، فوجدته يستعيد عناوين مجمل ما كتبه عن الحركة الإسلامية لأزيد من أربعة عقود، في الوقت الذي كانت كتاباته تحظى باهتمام نخبة محدودة من أبناء الحركة الإسلامية الذين انشغلوا بهم ترشيد الحركة، ولفت الانتباه إلى أوجه الخلل في مسيرتها وسبل استدراك ذلك.

ولأن ما ساقه الدكتور النفيسي في برنامج موازين يسعف المتابع المتعجل، الذي لا يسمح له وقته بأن يقرأ تفاصيل نظراته النقدية التي نضجت خلال نصف قرن من الزمن، بدءا بتجربته في حركة الإخوان بالكويت إلى مفارقتها، وتحوله إلى ضمير فكري لها، يراقب عثراتها، ويرشدها بقدر عال من الموضوعية، فقد رأيت في هذه الورقة، أن أعود إلى الحفريات الأولى، التي منها انطلق مشواره النقدي، وأن أرسم ضمن سردية تاريخية، مسار تطور هذا المشروع النقدي، والمؤثرات التي ساهمت في إغنائه.

في البدء كانت السياسة الشرعية

يعود أصل كتابه "في السياسة الشرعية" إلى مقالات كتبها الدكتور عبد الله النفيسي في ثمانينيات القرن الماضي بمجلة "المجتمع" الكويتية لسان حال جماعة الإخوان بالكويت، وهي الحفرية الأولى أو الثانية التي انطلق منها الفكر النقدي للدكتور النفيسي، لكنه، فضل أن يصوغه في قالب تأصيلي، متخذا من مادة (السياسة الشرعية) حقله الأساسي.

 



من المهم أن نلاحظ في مجموع المقالات التي نظمت هذا الكتاب، أنها تنتمي كلها إلى حقل نقد الفكر السياسي الإسلامي، فقد زاوج المؤلف بين مفهومين أساسيين، الأول يتناغم مع فكرة الإخوان (تأصيل شرعية إقامة الدولة الإسلامية أو السلطة السياسية الإسلامية مع التأكيد على وظائف هذه الدولة، وبشكل خاص قضية العدالة ورعاية الحقوق والضمان الاجتماعي)، أما الثاني، فهو مادة النقد الفكري الذي باشره النفيسي على العقل السياسي الإسلامي، ويمكن أن نمثل لذلك بتأصيل فكرة أن مصدر شرعية الحاكم هو الأمة، وأن لها حق انتخابه (نصبه) ولها حق مراقبته بل عزله، وقضية إلزامية الشورى ودورها الرقابي على الحاكم، وقضايا الحقوق والحريات، وقضية الرقابة الشعبية على الحاكم، ومفهوم الخط السياسي، وترشيد الرؤية الفكرية للإسلاميين، وأهمية فهم السياق السياسي الذي يتحرك فيه الإسلاميون، ونسق العلاقات القائمة ضمنه، وموازين القوى السائدة، وغيرها من المفاهيم التي تدخل ضمن سياق تنهيج العقل السياسي للحركة الإسلامية).

ومع أن "مجلة المجتمع" كانت واسعة الانتشار، إلا أن كتابات عبد الله النفيسي، لم تستأثر بالاهتمام إلا في منطقة محدودة من العالم العربي، وبالتحديد في المغرب العربي (تونس، المغرب) ولأن حركة الاتجاه الإسلامي في تونس (النهضة لاحقا) ستدخل في سياق المواجهة مع النظام مباشرة بعد أول انتخابات تشريعية جرت في عهد الرئيس الأسبق زين العادين بن علي، فقد استأثرت الحركة الإسلامية المغربية بزيارات مطردة من الدكتور عبد الله النفيسي، إذ اعتبرت كتاباته ضمن السياسة الشرعية أساسيات مهمة لترشيد الفكر السياسي الإسلامي، وهو ما فتح مجالا لعقد دورات فكرية بالمغرب تحت مسمى دورات "الإرشاد السياسي" للحركة الإسلامية.

عندما يحكم الإسلام

يطرح تاريخ إصدار كتاب "عندما يحكم الإسلام" إشكالا يرتبط بالحفريات الأولى للفكر النقدي عند الدكتور عبد الله النفيسي، فقد نشر سنة 1980، ككراسة (كتاب) بينما نشرت مقالات مجلة المجتمع التي جمعت في كتاب "في السياسة الشرعية" بشكل متقطع ما بين أواخر سنة1981 و1982.

زمنيا، اعتبارات المنهج تحكم بأن الحفرية الأولى للفكر النقدي عند النفيسي بدأت مع كتابه: "عندما يحكم الإسلام"، لكن يصعب الجزم بذلك، لأن ما كتبه النفيسي في السياسة الشرعية، لا يعلم تاريخ كتابته، وهل هو عبارة عن مقالات كتبت في السياق الزمني المعروف (1981 ـ 1982) أم أنه كراسة مكتوبة قبل ذلك التاريخ، وأن النفيسي قام بتصريفها في حلقات.

 



والظن الغالب من خلال استقراء أعداد مجلة المجتمع، أن الأمر يتعلق بكتاب جاهز، تم نشره في حلقات، وأن الكتاب لم يغير في مضمون هذه الحلقات، ولا حتى في عناوينها، باستثناء إعادة ترتيب بعض الحلقات بشكل يسير.

وبغض النظر عن هذا الخلاف، الذي يمكن أن تكون كلمة الحسم فيه للنفيسي نفسه، فإن ما تضمنه كتاب "عندما يحكم الإسلام" لا تتوجه مادته بشكل رئيس إلى نقد الفكر السياسي الإسلامي، بقدر ما تتوجه إلى تأصيل مركزية السياسة والقرار السياسي في حياة المسلم، وأهمية الدولة في صناعة السياسات العمومية التي تؤثر في حياة المسلم في كافة مستوياتها، ولعله في ذلك، يحاول أن يلفت عناية الإسلاميين إلى أهمية العملية السياسية (المشاركة السياسية)، كما تتشابه مادة الكتاب مع مادة كتاب: "في السياسة الشرعية" من جهة التأصيل لوجوب إقامة سلطة سياسية إسلامية، وقضية شرعية الحاكم، وأن الأمة هي مصدرها، وما يتعلق بمرتكزات الشرعية ووظائف الدولة الإسلامية، خاصة قضية العدالة ورعاية الحقوق، فضلا عن إثارة قضية التعددية السياسية، ودور الأحزاب في ممارسة الحكم أو معارضته والرقابة على الحاكم،  بل أهمية المشاركة الشعبية في القرار السياسي، ناهيك عن إعادة الحديث عن عدم وجود أي قدسية لشخص الحاكم في الإسلام مما فصل الحديث فيه في كتابه في السياسة الشرعية.

الجديد الذي تضمنه الكتاب (يمكن أن يعتبر تأثرا منه بتداعيات الثورة الإسلامية في إيران)، هو خوضه في قضية الخروج على الحاكم، وتأصيله لذلك، ومباشرة نقده للإسلاميين على خلفية رفضهم لفكرة الثورة على الحكام. كما تضمن الكتاب جديدا آخر، يمكن أن يحسب على مشروعه النقدي للإسلاميين، إذ بسط القول في قضايا الحقوق والحريات، وبشكل خاص الحقوق السياسية، وركز على حق انتخاب رئيس الدولة الإسلامية ومراقبته وعزله، كما ركز أيضا على أن الأمة هي مركز السلطات (الشورى).


واضح من هذا الاستعراض الموجز لمضامين الكتاب، أن النفيسي لم يغادر هدفه الأول، وهو إدخال الإسلاميين إلى حقل السياسة، ومحاولة إدخال المعامل السياسي إلى أولوياتهم، لكن، هذا الهدف، لم يكن مفصولا عن هدف آخر، يرتبط بمراجعة المفاهيم التي ترسخت في الفكر السياسي الإسلامي، من جراء ارتباطه بكتب الآداب السلطانية، كما حاول النفيسي في هذا الكتاب أن يفتح أعين الإسلاميين على قضايا الحقوق والحريات، التي تشكل أضعف حلقة من حلقات المشروع الحركي الإسلامي.

النفيسي ولحظة النقد الذاتي

يمكن أن نؤرخ لهذه اللحظة بسنة 1989، وهي السنة التي تداعى عدد من القيادات الإسلامية والمفكرين والدارسين للمشاركة في كتاب لنقد مسيرة الحركة الإصلاحية، وذلك ضمن عمل تقييمي اتخذ له عنوان :"الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية"، جمع أوراقا في النقد الذاتي سنة 1989، وكلف الدكتور فهد عبد الله النفيسي بجمع مساهماتها وإعادة تحريرها، وقد شارك في هذا الكتاب ثلاث قيادات من مؤسسي العمل الإسلامي، وعدد من مفكري هذه الحركة والدارسين لها ممن يعرفونها ويعرفون قياداتها عن قرب، انخرطوا بوعي منهم في تحديد مكامن الخلل في مسيرة العمل الإسلامي كل من زاوية نظره.

 



والواقع، أن مساهمة الدكتور عبد الله النفيسي التي قدم بها الكتاب كانت أكثر جرأة وقسوة، إذ حاولت أن تشرح ملامح من أزمة الحركة، فلخص نقاط نقده في سبعة أعطاب هي: غياب التفكير المنهجي ذي المدى البعيد، وعدم بلورة نظرية علمية في الاتصال بالجمهور، وضعف الحلقة الاستراتيجية في التفكير الحركي، وهيمنة العقلية الحزبية، والصراع مع السلطة، وهيمنة الخطابة على الفكر، واستبداد التنظيم.

في نقد تجربة الإخوان السياسية والتنظيمية 

تتمثل رؤية النفيسي لأزمة الحركة الإسلامية، في المفاهيم التي تحملها هذه الحركة، وفي نموذج الاتصال الذي تقيمه مع الجمهور، وفي التعامل البيني مع بقية مكونات الحقل السياسي والمدني، وفي المعرفة التي تنتجها، وفي الموارد البشرية التي تراكمها، وفي نوع الجمهور الذي تخاطبه، وفي المنافسة، وفي نموذج التنظيم الذي تقيمه على أساس السيطرة وليس على أساس المشاورة، وفي طريقة التربية التي تنشئ بها اتباعها والتي تقوم على الحزبية وليس التربية الاجتماعية.

فعلى مستوى المفاهيم، يلاحظ النفيسي وجود مفارقة لدى الحركة، ففي الوقت الذي تنادي فيه بالحريات السياسية في المجتمع الأوسع، تحاربها داخل التنظيم، كما يلاحظ وجود تلازم خطير بين الدين والتنظيم في تمثلات قيادات الحركة، وهو ما يقتضي في نظره إقامة الفرز والتمايز المطلوب، بفك الاشتباك بين الإثنين.
 
وعلى مستوى الاتصال، فإن الحركة لا تستفيد من الخبرة التي وفرتها الدراسات العلمية في هذا المجال، والتي تحدد شرطين لتوسع التيار في الجمهور، أن يفهم الجمهور مقاصد التيار وأهدافه، وأن يجد لدى التيار حلا لمشاكله الحقيقية التي يعاني منها .
 
وعلى مستوى التربية وأثرها على العلاقات البينية، فقد لاحظ النفيسي أن التربية الحزبية لا تدع مجالا لصوغ علاقات سياسية متوازنة مع القوى الاجتماعية والسياسية، وأنه لا بد من إعادة النظر في هذه التربية، والانعطاف لتربية اجتماعية تنهي الصراع الوهمي مع مكونات الحقل السياسي والمدني، وتنظر إلى مساهمات الكل في الإصلاح، كل من زاويته ومرجعيته وتخرج هي الأخرى من العزلة التي فرضتها على نفسها .

وعلى مستوى التنظيم، فقد شرح النفيسي بشكل دقيق أوجه الأزمة فيه، سواء من حيث المفاهيم التي يتأسس عليها، لاسيما منها مفهوم البيعة والطاعة، أو من حيث هيمنة القيادات الشائخة التي لا تترك مجالا لتداول الأجيال على القيادة وتحمل المسؤولية الحركية، أو من حيث اللوائح التي لا تركز على واجبات الأعضاء، ولا توفر أي حق للتظلم عند وقوع الفرد تحت طائلة تعسف التنظيم .

وعلى مستوى الجمهور، فقد أعاد النفيسي طرح السؤال ذاته الذي طرحه الشيخ راشد الغنوشي بشأن الجمهور الكبير الذي يقبل على الحركات الإسلامية، وذا ستفعل بهم هذه الحركات؟ منبها على مخاطر ألا يكون لقيادة الإصلاح الاستعداد الكافي لاستيعاب مواهب هؤلاء وقدراتهم ومهاراتهم وتوظيفها التوظيف الصحيح في اتجاه المشروع الإسلامي.

وقد قدم النفيسي في الكتاب نفسه، نقدا تشريحيا للتجربة السياسية للإخوان في مصر، انتهى فيه إلى خلاصات مهمة، أولها أن تبادر جماعة الإخوان إلى إعادة النظر في التركيب الإداري القيادي للجماعة، بما يجعل القرار غير مركز في فرد أو قلة من الأفراد تدور في فلك المرشد، وذلك بالتفكير في صيغة تفتت مواقع السلطة الإدارية القيادية، وتنقلها إلى القواعد وتفوضها للمستويات الأدنى. وثانيها، وجوب التفريق بين الدين كمعتقد وغاية، وبين التنظيم كحشد ووسيلة، وذلك حتى لا يتحول الدين إلى وسيلة للحفاظ على التنظيم كغاية، إذ لا يمكن في نظر النفيسي أن يصير التنظيم غير قابل للنقد بسبب الخلط بينه وبين الدين. 

وثالثها، أن التنظيم الحزبي، يقوم على فكرة التجنيد (واجبات العضو نحو التنظيم)، ولا يعطي أي أهمية لحقوقه، وبشكل خاص حق التظلم إذا ما تم التعسف عليها، وهو ما يولد في نظر النفيسي ثقافة الولاء للقيادة، وانحسار الوعي الحقوقي لدى المنخرطين في التنظيم، مما يساعد في تحول القيادة إلى سلطة ديكتاتورية تفلت من حق الرقابة والمساءلة من قبل المؤسسات التنظيمية. ورابعها، أن تنظيم الأخوان، وبعد أن تنتهي من توفير الشروط الذاتية (التركيب القيادي، المؤسسات العدلية التي تضمن حقوق المنتظم، إصلاح المفاهيم التنظيمية) فإن عليه أن يتوجه رأسا إلى الانفتاح السياسي على القوى السياسية والاجتماعية وعلى الأنظمة السياسية بمختلف راياتها وعناوينها وان ينشئ شبكة من الاتصال والتواصل السياسي مع العالم الذي يحيط به. والخامس، أن بدخل في ورش تطوير خطابه السياسي والاجتماعي بحيث يكون أكثر واقعية وملاصقة للتفاصيل وبعدا عن التعميم.

الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق

أصدر النفيسي هذا الكتاب سنة 1989، أي في السنة ذاتها التي تم فيها جمع مادة: "الحركة الإسلامية رؤية نقدية"، ومما يؤكد محورية الكتاب السابق، أن مقدمة كتاب "الحركة الإسلامية: ثغرات في الطريق"، هي نفسها مقدمة الكتاب السابق، فضلا عن كون مادة الكتاب اللاحق جاءت تفصيلا لما أجمل في السابق، مع نظرات نقدية أخرى، أعطت صورة عن اكتمال المشروع النقدي الذي مارسه النفيسي على فكر الإسلاميين.

في هذا الكتاب، أعاد النفيسي التركيز على مخاطر خلط الدين بالتنظيم وضرورة فك الاشتباك بينهما، وعلى أهمية الوعي الحقوقي داخل التنظيم، ومخاطر استمرار ظاهرة تركيز السلطة في يد أقلية داخل التنظيم، فضلا عن قضية الانفتاح السياسي، وأهمية صوغ علاقات شبكية مع مختلف مكونات الطيف السياسي والمدني والاجتماعي.

 



لكن الجديد في الكتاب، هو خوضه في مسألة بالغة الأهمية ترتبط ببعض المفاهيم التنظيمية، ومنها على وجه الخصوص، مفهوم البيعة والطاعة داخل التنظيم، ومخاطر استعمال القيادة لمواد القانون الأساسي لتحويل المنتظمين إلى عبيد تابعين للقيادة، ومخاطر تنزيلها للنصوص الشرعية في غير مواضعها في قضية البيعة والطاعة.

أضاف النفيسي قضايا نقدية جديدة أخرى تتعلق بالعلاقات الفكرية داخل التنظيم، وأهمية توطين أجواء الحوار وقبول الاختلاف، بدل استعمال سلطة التنظيم في فرض الرأي الواحد واعتبار الاختلاف سببا في الفرقة والتحريض ضد وحدة التنظيم وتماسكه، ولفت الانتباه إلى أهمية تشبيب القيادة وتجديد دورتها، ومخاطر تحكم الحرس القديم في مفاصل التنظيم، ونبه إلى دور المال في ترقية القيادات السياسية ورسم مساراتها، وضرورة التقليص من هذا النفوذ (المالي)، كما أثار الكتاب العلاقة داخل الطيف الإسلامي، وقضية السرية في بناء الجماعات.

وإذا كان النقد قد اتجه بدرجة كبيرة إلى الداخل التنظيم فكرا وقيادة ونمط علاقات، فقد استمر النفيسي في نفسه النقدي التأصيلي، الذي يهم الفكر السياسي الإسلامي، فركز على قضية توطين الفكر الحقوقي في أدبيات الحركة الإسلامية (قضية الحرية)، وانتقد فكرة الرهان على الشعبية والجماهيرية، وأنها تكفي لإقامة تطلعات الإسلاميين في الحكم، ولفت الانتباه إلى ضرورة التفكير بعمق في كيفية التعامل مع الجماهير التي يتم حشدها، وكيف تهتم الحركة الاسلامية بالقضية الاجتماعية وتؤصلها في خطابها السياسي والاجتماعي.

على صهوة الكلمة.. جرعة أخرى من النقد للإسلاميين

أصدر هذا الكتاب في سنة 1990، أي بعد الكتابين السابقين، وقد جمع فيه مقالات مختلفة، يمكن أن يكون عنوانها هو تأمل الأدوات التي يشتغل بها خصوم الإسلاميين، وكيفية إعداد التكتيك المضاد في مواجهتهم، وما هي العدة الفكرية النقدية (المراجعات) المطلوب إنجازها لتحقيق شروط المنافسة والريادة في الساحة السياسية والاجتماعية.

 



يستعرض الكتاب التكتيكيات التي لجأت إليها التيارات الشيوعية والقومية والليبرالية في مواجهة الإسلاميين، ويعتبر أن التكتيك المضاد ينبغي أن يقوم على تجهيز العدة الفكرية، وإحداث مراجعات عميقة في فكر الإسلاميين تطال المفاهيم والخطاب وأنماط العلاقات التي ينسجها الإسلاميون مع مختلف الأطياف الحية، وتوطين الفكر الديمقراطي والحقوقي في أدبياتهم وسلوكهم، وبشكل خاص، قضية حقوق المرأة، إذ يستعير النفيسي بعض أفكار حسن الترابي في هذا المجال، ويدعو إلى عدم الخلط بين الإسلام وبين التقاليد، وألا يحول الإسلاميون التقاليد إلى ثوابت يدافعون عنها ويسعون إلى تأصيلها في الوقت الذي جاء الإسلام ليحرر الناس منها.

لماذا لم يستفد الإسلاميون من النفيسي؟

ثمة أسباب عديدة، يمكن أن نفسر بها سبب عدم إفادة الإسلاميين من نظرات النفيسي النقدية، أولها أنه كان أول إسلامي باشر النقد بقسوة على تنظيم الإخوان، ولفت الانتباه إلى أعطاب المفاهيم والثقافة التنظيمية. والثاني، أنه انتصر مبكرا لفكرة حل التنظيم (الحالة القطرية) والتحول إلى تيار مجتمعي. والثالث، أن نقده للتجربة السياسية للإخوان افسدت سردية الإخوان التحليلية التي تفسر العلاقة بينهم وبين عبد الناصر بمنظور المؤامرة، وأنتج رؤية أخرى، تؤاخذ على الإخوان ضعف تكوينهم السياسي، وضحالة رؤيتهم السياسية، وأن ذلك كان هو سبب المواجهة التي قامت بينهم وبين نظام عبد الناصر.
 
لكن في المقابل، ثمة حركات أخرى، محدودة اهتمت كثيرا بتراث هذا الرجل النقدي، ورأت في تخصصه المبكر في العلوم السياسية (نشرت أطروحته للدكتوراه: "دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث من باللغة العربية سنة 1972) إضافة نوعية للفكر الإسلامي. منها الحركة الإسلامية المغربية التي اعتبرت أنه يقوم بدور تأصيلي مهم للفقه لسياسي الإسلامي، ويدخل معاملا جديدا في أولويات الحركة الإسلامية (المعامل السياسي) لاسيما وأن معاصرتها لتجارب الإسلاميين وتعثراتهم في مواجهة نظم الحكم، وأيضا في تأمين الجماهيرية والشعبية، جعلتهم ينعطفون أكثر لمدارس الفكر النقدي للإسلاميين سواء منها الفكرية (مدرسة مالك بن نبي، ومدرسة الأمة (ملف أين الخلل)، ومدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي) أو السياسية (مدرسة فهد عبد الله النفيسي).