كتاب عربي 21

البعد الطائفي للمهمة الانقلابية في اليمن

1300x600
دخل يوم الـ 21 أيلول/ سبتمبر من هذا العام في الذاكرة التاريخية لليمنيين، كأحد أسوأ الأيام، ففي هذا اليوم سقطت صنعاء، لا بالحرب والغلبة، بل في شكل مسرحة مثيرة للاشمئزاز، عنوانها الأبرز "الخيانة"، التي ارتكبتها غالبية المنتمين للمؤسستين العسكرية والأمنية، تأسيساً على انتمائهم القبلي إلى شمال غرب اليمن، حيث يسود المذهب الزيدي. 

هؤلاء كانوا قد تعرضوا لحملة شحن مناطقية وطائفية، زاد إيقاعها بشكل كبير منذ عام 2011، مع اندلاع ثورة الـ 11 من فبراير الشبابية الشعبية، التي أطاحت بالرئيس السابق علي عبد الله صالح.

دخول صنعاء، لم يستفز البعثات الدبلوماسية، العربية منها والغربية، ولم يثر قلقها حتى، باستثناء البعثة الدبلوماسية السعودية، التي لم تُعرف حتى الآن الدوافع الحقيقية لانسحابها من صنعاء، سوى أنها ربما توقعت ردود أفعال غير منضبطة قد تطالها، بالنظر إلى حضور المملكة القوي جداً في المشهد اليمني.

وبينما كان مساعد أمين عام الأمم المتحدة ومستشاره لشئون اليمن، جمال بنعمر، يتواجد في صعدة للقاء زعيم الجماعة الحوثية المسلحة، لإقناعه بالقبول باتفاقية "السلم والشراكة الوطنية"، كانت المليشيات الحوثية، مسنودة بجنود موالين للرئيس المخلوع صالح، يقاتلون في الأحياء الشمالية للعاصمة، وفي طليعة أهدافهم السيطرة على مقر الفرقة السادسة في الجيش اليمني، التي كان يقودها مستشار الرئيس اليمني للشئون العسكرية والأمنية اللواء علي محسن الأحمر. وكان هدفهم الموازي، هو جامعة الإيمان، التي أسسها عالم الدين والسياسي اليمني البارز، الدكتور عبد المجيد الزنداني، لتصبح إحدى أكبر الجامعات في العالم الإسلامي، وهدفهم النهائي صنعاء بصفتها حاضرة اليمن ومركز قراره.

طالت إقامة المبعوث الأممي في صعدة، بتدبير من الحوثين أنفسهم، فيما المواجهات تزداد قوة على مشارف صنعاء الشمالية بين الانقلابيين وما بقي من أفراد الجيش في مقر الفرقة السادسة. كانت فيها المليشيا الحوثية تستخدم كافة أنواع الأسلحة وأحدثها، حصلت عليها من مخازن الحرس الجمهوري المنحل، بإيعاز من الرئيس السابق، وجرى الاستعانة بجنود محترفين من الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاصة، وتم خوض معركة صورية، بدأت بإسقاط مبنى التلفزيون الحكومي، بالتواطؤ مع الحامية العسكرية المدرعة، التي انضمت إلى المليشيا الحوثية المتطرفة، وسلمت لها الدبابات والمدرعات.

 وخلال ساعات توجهت هذه الدبابات إلى مقر الفرقة السادسة، وخاضت مع من بقي من جنودها معركة سريعة، انتهت بدخول مقر القيادة، وبعدها جرى توزع المليشيا الحوثية على بقية المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية الموجودة بصنعاء، لاستكمال مسرحة إسقاط الدولة، قبل التوقيع على اتفاق السلم والشراكة الوطنية.

وفي هذه الأثناء، كان على رئيس الجمهورية وبقية الأطراف السياسية، التي تم استدعاؤها للتوقيع على اتفاق "السلم والشراكة الوطنية"، ومعهم المبعوث الأممي، الانتظار حتى يأتي ممثلا زعيم الجماعة الحوثية المسلحة وهو انتظار طال حتى مساء الـ 21، حينما قدما على متن مروحية إلى دار الرئاسة، ويستغرقون ساعتين كاملتين في نقاش عبثي مع الرئيس والمبعوث الأممي حول الملحق الأمني للاتفاق.

 وما ذاك إلا للحصول على مزيد من الوقت تستكمل خلالها مليشياتهم الإسقاط الاستعراضي للمؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية السيادية في العاصمة. وهو السلوك الذي صدم الملايين من اليمنيين، لا لكونه حصل، ولكن لأن كل هذا حدث على مرأى ومسمع من الرئيس. 

لقد استمرت مسرحة إسقاط مظاهر الدولة وهيبتها وسيادتها، خلال الأيام التالية للانقلاب، في شكل انسحاب شبه كامل للقوات العسكرية والأمنية من شوارع صنعاء، وانتشار مئات المسلحين الحوثيين، الذين شكلوا بمظهرهم الرث وبسياراتهم ذات الدفع الرباعي، غير المرقمة، وبعض المدرعات، مشاهد مستفزة لسكان العاصمة، وهذه المليشيات، التي تسلمت المسئولية الأمنية في العاصمة، هي التي أدارت عمليات واسعة لاقتحام ونهب المنازل التي يمتلكها الخصوم السياسيين، في أحد أبشع مظاهر الثأر السياسي التي مورست في القرن الواحد والعشرين، من قبل هذه المليشيات وعناصر من أنصار الرئيس السابق. 

الدولة اليمنية دخلت مرحلة صعبة من اختبار الوجود، بعد أن تآلب عليها المتآمرون والموتورون.. فهذه الدولة تنحصر رمزية وجودها اليوم، في الرئيس عبد ربه منصور هادي، لذلك بات هو نفسه هدفاً أساسياً للانقلابيين، بعد أن استكمل هؤلاء الانقلابيين الإقصاء المادي والمعنوي للقوى السياسية التي ساندت ثورة التغيير، وفي المقدمة منها التجمع اليمني للإصلاح، بإسناد مكشوف من دول إقليمية مصابة بلوثة كراهية الاسلاميين.

هذا الحلف نجح أخيراً في إعادة فرض نفوذه السياسي والأمني الواسع على العاصمة صنعاء، لكن هذا النفوذ لا يبدو أنه سوف يترسخ إلا على قاعدة نفوذ مذهبية، بدأ التأسيس لها منذ عدة أيام بصنعاء، بالاستيلاء القسري على المساجد السنية الكبيرة. وقد نشهد خلال الأيام القادمة فرضاً للأجندة المذهبية الشيعية الأكثر تطرفاً، في مناهج التعليم وفي الرسائل الإعلامية، وفي فرض نمط خاص من السلوك الاجتماعي.

لا يبدوا أن اتفاق السلم والشراكة الوطنية سيرى النور، على الرغم من أن معظم المراقبين اليمنيين، يعتقدون بأنه جاء كتغطية غير أخلاقية للانقلاب على التسوية السياسية، وتقويضاً لهذه العملية ولمرجعياتها الأساسية، وتمكيناً لفريق سياسي محكوم بمنطق الثأر السياسي والمذهبي، للاستفراد بالهيمنة على القرار في الدولة، الأمر الذي ينذر بمرحلة شديدة الصعوبة، من تاريخ اليمن، عنوانها الأبرز الصراع المؤسس على نوازع الانتماءات المناطقية والمذهبية، والانتماءات السياسية، والتشظي في المكون الجغرافي والسياسي للدولة اليمنية.