كتاب عربي 21

هجمات سيناء وحكيم الإرهاب

1300x600
تعتبر سلسلة الهجمات المنسقة المتزامنة على مقار عسكرية وأمنية في محافظة سيناء المصرية مساء الخميس 29 كانون ثاني/ يناير 2015، هي الأضخم والأعنف في تاريخ  الجيش المصري منذ حرب أكتوبر 1973، فقد أسفرت الهجمات عن سقوط أكثر من 40 قتيلا من جنود وضباط الجيش والشرطة، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 60 جريحا، فالهجمات المنسقة لتنظيم الدولة الإسلامية ــ ولاية سيناء كشفت عن تطور كبير في قدرة وكفاءة جماعة أنصار بيت المقدس منذ بيعتها لتنظيم الدولة الإسلامية.  
لكن الهجمات المذلة للعسكرية المصرية لم تمنع حكيم الإرهاب عبد الفتاح السيسي من وعظ العالم بماهية الإرهاب وحدوده وآفاقه، فقد تمكن عبر بوابة "الحرب على الإرهاب" من إعادة تأهيل نفسه دوليا وإقليميا وبات حكيما في مكافحة الإرهاب كما وصفته صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية التي دعت الرئيس باراك أوباما إلى أن يتعلم منه كيفية محاربة الإرهاب إذا أراد أن تبقى أمريكا أهم دولة في العالم. فخطابات ومواعظ حكيم الإرهاب السيسي باتت منتظرة في سائر المنابر الدولية والإقليمية، فقد اعتلى منبر الأمم المتحدة واعظا وناصحا ومحذرا من خطورة الإرهاب، إلا أن "الإرهاب" لم يمهله لإتمام دروسه الإرهابوية في قمة الاتحاد الأفريقي بأثيوبيا، إذ إنه قطع مشاركته ليستكمل نبوءاته ورؤاه  في اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة حيث ظهر محاطا بقيادات عليا في الجيش.

لقد خاطب حكيم الإرهاب عبد الفتاح السيسي الشعب المصري والعالم عقب اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قائلا: إن الحرب على الإرهاب صعبة وستستغرق وقتا طويلا وأن ثمنها يدفعه الجيش والشعب، لكن الحكيم يدرك أن هذه الحكمة متأخرة وغير كافية، ولذلك أعلن  عن قرار جمهوري يعيد هيكلة قيادة العمليات العسكرية في سيناء، لـ"منطقة شرق القناة ومكافحة الإرهاب"، وإذا كانت الحملة على الإرهاب سوف تستغرق وقتا طويلا فإن فارسها السيسي سيبقى طويلا. فحالة الاستثناء تتطلب بطلا للحرب على الإرهاب المصري. ألم يكشف في أحد تسريباته المقصودة للشعب المصري عن طبيعته التسلطية الفاشية بقوله: "الناس فاكرة إن أنا راجل سوفت -ناعم-، السيسي ده عذاب ومعاناة"؟ لكنه لا ينسى أن يقدم خدماته لغير المصريين كبطل للسلام وخصوصا لأصدقائه في أمريكا وإسرائيل، فالسيسي يتوجه بخطابه للغرب المسكون بهواجس "الإسلام فوبيا" ويؤسس لسياسات "الهوية" بدلا من "الاعتراف"، وهي وصفة مضمونة لنشوب الحروب الأهلية وعودة الدولة العسكرية البوليسية، فشخصية حكيم الإرهاب تجمع مزيجا مركبا من الفاشيّة والتسلطية، فهو يأمر بالقتل ويرتكب المجازر ويمارس القمع باسم الشعب، وهو مغرم بالتفويض الشعبي، كما حدث في كافة المجازر الكبرى منذ الانقلاب، ولذلك أكد في اجتماعه الأخير على القول: "طلبت تفويضا لمكافحة الإرهاب لأنني كنت أعلم أن هذا هو المسار الذي سنتخذه". 

على الرغم من إرهاب حكيم الإرهاب المتواصل بحق الشعب المصري وانتهاكه لحقوق الإنسان وممارسة القتل الممنهج بحق الرافضين للانقلاب والاعتقال التعسفي للناشطين السياسيين المناوئين والتنكيل بهم، إلا أن الولايات المتحدة تصر على مساندته وتقديم المساعدات له بحجة "حرب الإرهاب"، فقد سلمته 10 طائرات أباتشي في كانون أول/ ديسمبر 2014، ورفعت العقوبات العسكرية التي كانت محظورة بعد الانقلاب، الأمر الذي دفعه إلى مزيد الانتهاكات والقتل الممنهج، فقد سقط عشرات القتلى والمصابين من المتظاهرين السلميين على يد  قوات الأمن ممن خرجوا لإحياء الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011،  الأمر الذي دفع إلى ظهور عدد من الحركات العنيفة  بعد قمع الحركات السلمية أمثال: حركة "المقاومة الشعبية" وحركة "العقاب الثوري".

في سياق حكمته الدولية في محاربة الإرهاب حوّل السيسي محافظة سيناء إلى جحيم، وقطاع غزة إلى معتقل، وأصبح أمن إسرائيل مشروعا اقتصاديا عبر إنشاء المنطقة العازلة مع غزة، وهو مشروع يتمتع بدعم "أميركي إسرائيلي"، فالمنطقة العازلة تخدم الأمن الإسرائيلي أساسا لضرب حركات المقاومة الفلسطينية، وهي فكرة قديمة تمثل رغبةً  إسرائيلية  كانت مطروحة إبان حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكنه لم يتجرأ على تنفيذها، لكن السيسي في سبيل استدخاله وإعادة تأهيله دوليا لا يكترث لهدم نحو 880 منزلاً وتهجير سكان المنطقة بطريقة فجة، بل وقتل مئات المدنيين السيناويين باعتبارهم إرهابيين واعتقال النساء وامتهان كرامة الأهالي، دون أن يقدم السيسي وقضاؤه الشامخ دليلا واحدا على صلة حركة حماس بجماعة بيت المقدس. وعقب الهجمات الأخيرة سارعت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، في 31 كانون ثاني/ يناير 2015 بإدراج كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، كمنظمة إرهابية، في سياق استكمال مراسم إعادة التأهيل والدخول في جنة حرب الإرهاب الأمريكية الإسرائيلية.

لكن حكيم الإرهاب يتمتع برؤية استشرافية تتجاوز الحقائق الموضوعية، فعلى الرغم من إعلان تنظيم الدولة الإسلامية ــ ولاية سيناء، مسؤوليتها عن الهجمات المنسقة في سيناء في بيان أطلقت عليه "سلسلة عمليات قسما لنثأر"، جاء فيه: "الحمد لله ففي غزوة مباركة شارك فيها قرابة 100 مجاهد من أسود الخلافة في ولاية سيناء، شنوا فيها عمليات متزامنة في ثلاث مدن بدأت الساعة السابعة والنصف مساء أمس الخميس، وذلك بعد سريان حظر التجول حفاظًا على حياة المسلمين"، وبحسب البيان "كان الهجوم كالتالي: انطلقت ثلاث سيارات مفخخة تحمل عشرة أطنان من المتفجرات مخترقة المنطقة الأمنية للجيش والشرطة المصرية، استهدفت الكتيبة 101 أولى، تلك السيارات صهريج محمل بأطنان المتفجرات وتليها سيارتان لدك المربع الأمني بضحية السلام الذي يضم (مديرية الأمن، الأمن الوطني، مبنى المخابرات الحربية، فندق القوات المسلحة)، ومن ثم تبعهم دخول اثنين من الانغماسيين بأسلحة خفيفة وأحزمة ناسفة.. والهجوم على كمائن الغاز جنوب العريش، وجنوب شرق العريش بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وقذائف الأر بي جي".

الاستشراف والكشف والعرفان لدى حكيم الإرهاب السيسي لم يقنع بالوقائع، فالذي يقف خلف الهجمات "أقوى تنظيم سري في العالم" وهي  إشارة عرفانية لجماعة الإخوان المسلمين، فالسيسي يؤكد "أنه تلقى تهديدات من قيادي وصفه بـ"الأخطر" بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين في يونيو/حزيران 2013، أي قبل عزل الرئيس محمد مرسي، تضمنت أنه حال عزل مرسي سيواجه الجيش المصري هجوما شرسا من مجموعات سوف تتوافد على مصر من جميع أنحاء العالم لنصرة الجماعة والرئيس، لكنه لا يتحمل المسؤولية فعلى المواطنين مسؤولية التصدي للإرهاب، وطالب بحثهم على دعمه أثناء الحرب على الإرهاب مؤكدا أن التصدي لهذه الظاهرة كان اختيارهم من البداية في إشارة إلى التفويض الذي دعا إليه بعد عزل مرسي بأيام.

حكمة السيسي لم تتوقف عند هذا الحد، فقد قدم للعالم تشخيصا لوضعية الإرهاب وآليات القضاء عليه، فقد أشار إلى أن هناك إمكانية كبيرة لتكرار الهجوم الإرهابي قائلا إنه "في أفغانستان والعراق ومناطق عدة حول العالم، كانوا يتركون مناطق بأكملها للإرهابيين، أما نحن في مصر فلن نترك سيناء، إما أن تكون سيناء مصرية أو نموت".

مصر السيسي دخلت عصر "الجهاد"، مع اكتمال عقد الثورة المضادة وإحكام قبضة العسكر على كافة أجهزة الدولة السياسية والتشريعية والقضائية، وهي على وشك التحول من دولة عاجزة إلى فاشلة، فالحركات الاحتجاجية السلمية المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة على اختلاف إيديولوجياتها اليسارية والقومية والليبرالية سوف تصبح هامشية مع اشتداد الملاحقة والاعتقال والمحاصرة، وجماعات الإسلام السياسي التي تؤمن بالديمقراطية والتعددية سوف تفقد جاذبيتها وفعاليتها مع إصرار حكم العسكر على استئصالها واعتبارها منظمات إرهابية، وبهذا فإن كافة الطرق تؤدي إلى ولوج فضاء الجهادية العالمية وخياراتها الراديكالية المسلحة.
 
لقد أكدنا في مرات عديدة أن مصر قد دخلت عصر "الجهاد" فالحواضن الشعبية باتت جاهزة لتوفير شبكات حماية وإسناد للخيارات الراديكالية، وهي تسير على خطى سوريا والعراق واليمن وليبيا، والجماعات السلفية الجهادية بدأت تتنافس على استقطاب الثوريين الغاضبين، الذين تتدرج خياراتهم وتتدحرج باتجاه الجهادية العالمية. في هذا السياق ستظهر جماعات عديدة لكن التنافس سيكون بين تنظيم القاعدة المركزي بزعامة المصري أيمن الظواهري وبين تنظيم الدولة الإسلامية بزعامة أبي بكر البغدادي، وإذا كانت جماعة "أجناد مصر"، لم تحسم خياراتها بمبايعة الظواهري، فإن "أنصار بيت المقدس" سارعت بمبايعة البغدادي.

فقد ساهمت عملية عزل ومحاصرة وإضعاف جماعة الإخوان المسلمين في مصر في بروز سردية إسلامية جهادية مصرية أشد صلابة وأكثر تمسكا بحدود العلاقة الصراعية الوجودية مع النظام الانقلابي المصري، فالتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها حركة إرهابية ساهم في تصاعد نفوذ الجهادية العالمية في مصر، فرفض التعاون مع حركات إسلامية أكثر براغماتية يقود إلى بروز أجيال أكثر راديكالية، كما حدث في مناطق عديدة، فقد عملت تكيّفات الإخوان مع البيئة المصرية والإقليمية والدولية المعقدة على خلق معادلة صعبة انعكست بتفتيت إيديولوجيتها الإصلاحية، وأضعفت هيكليتها التنظيمية، فقرار الجماعة بالمحافظة على السلمية أدى إلى خسارتها بعض أعضائها المعارضين للنهج الديمقراطي الجديد كأداة للتغيير، حيث بدأ بعض الأفراد الأكثر راديكالية  في صفوف الجناح "القطبي" يتسربون إلى صفوف التيارات السلفية الجهادية العالمية.

ظهرت جماعة "أنصار بيت المقدس" إلى العلن في 5 شباط/ فبراير 2011، وهي جماعة جهادية عالمية نفذت عدة عمليات ضد مصر وإسرائيل، وقد تحولت إيديولوجية الجماعة تدريجيا عقب الانقلاب العسكري من أولوية مواجهة العدو البعيد متمثلا بإسرائيل، إلى أولوية قتال العدو القريب ممثلا بالجيش المصري وأجهزة الأمن، وقد بايعت الجماعة تنظيم الدولة الإسلامية وأميرها أبا بكر البغدادي مؤخرا، وأصدرت بيانا صوتيا جاء فيه: "نعلن مبايعة الخليفة إبراهيم بن عواد القرشي على السمع والطاعة في العسر واليسر"، كما أنها أصدرت تعميما بتغيير اسمها إلى "ولاية سيناء"، وبثت شريطا مصورا في اليوم التالي لكلمة البغدادي في 14 تشرين ثاني/ نوفمبر بعنوان "صولة الأنصار"، يظهر تطورا فائقا في قدراتها القتالية وكفاءتها الإعلامية، يحاكي إصدارات تنظيم الدولة "صليل الصوارم" و"لهيب الحرب"، ويتضمن الشريط لقطات متقنة لعملية "كرم القواديس" التي نفذها التنظيم في 24 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي مستهدفا نقطة التفتيش العسكرية في منطقة كرم القواديس قرب مدينة الشيخ زويد بشمال سيناء، والذي أودى بحياة 31 عسكريا مصريا. أما جماعة "أجناد مصر" فقد ظهرت في 24 كانون ثاني/ يناير2014. فالتنافس داخل الفضاء الجهادي العالمي على مصر بدا واضحا منذ بزوغ نجم حكيم الإرهاب.