قضايا وآراء

بداية ونهاية

حمزة زوبع
جيتي
جيتي
"الأمور واضحة ولا يمكن ولا يجب التعويل على هكذا حكومات أنشئت لغايات محددة؛ ليس من بينها الدفاع عن أرضها إن احتلت يوما ما، بل استدعاء من يحررها مقابل احتلال مدفوع الأجر يدوم لعقود وأجيال"..

كان هذا جزءا من مقالي المنشور في ذات الموقع "عربي21" بتاريخ السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 أي بعد شهر من عملية طوفان الأقصى وكان بعنوان "لماذا لن يدافع العرب عن فلسطين".. وباختصار مر شهران ونيف ولم يتحرك العرب دفاعا عن فلسطين، ويبدو لي وأنا كلي يقين مع الأسف أنهم لن يفعلوا حتى وإن امتلكوا القدرات التي تمكنهم من ذلك، فليست لديهم الرغبة. فحب فلسطين وحب الصهاينة لا يجتمعان في قلب واحد أبدا، وجماعتنا قد ماتوا عشقا في هوى الصهاينة حتى أنك تدرك أن قلوبهم تكاد تنفطر حزنا كلما طال أمد الحرب؛ ليس حزنا على الضحايا والشهداء من الأطفال والنساء الفلسطينيين بل على قتلى العدو من الجنود والضباط الصهاينة.

مر شهران ونيف ولم يتحرك العرب دفاعا عن فلسطين، ويبدو لي وأنا كلي يقين مع الأسف أنهم لن يفعلوا حتى وإن امتلكوا القدرات التي تمكنهم من ذلك، فليست لديهم الرغبة. فحب فلسطين وحب الصهاينة لا يجتمعان في قلب واحد أبدا، وجماعتنا قد ماتوا عشقا في هوى الصهاينة

لفت نظري في زيارة ملك الأردن عبد الله بن الحسين للولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام قوله إن ما جرى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 يتنافى مع تعاليم الإسلام الحنيف، ولا أدري لماذا لم يستحضر مجازر الصهاينة منذ السابع منذ السابع من أكتوبر حتى اليوم، ثم عن أي إسلام يتحدث وجيرانه يقتلون وإخوانه في العروبة والدين يتم تهجيرهم وقصف مدنهم وقراهم على بعد فراسخ من حدود بلاده؟

قبل أيام معدودة صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنه هو من أمر بفتح معبر رفح رغم معارضة "الرئيس المكسيكي" عبد الفتاح السيسي، وهي المرة الثانية التي يصرح بايدن بمثل هذه التصريحات التي تدين النظام المصري وتضعه في قفص الاتهام، تماما كما فعل المحامي الخاص بالكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية فقال بصوت مسموع إن مصر هي التي تغلق المعبر وليس "إسرائيل"، فهاجت الدنيا وماجت وما لبثت أن هدأت بعد أن أقسم الجنرال بأنه لو فعل ذلك (الحصار) هيروح من ربنا فين؟ وبالتالي يجب على الجميع تصديقه وتكذيب بايدن والكيان الصهيوني، رغم أن الجميع يعلم علم اليقين أن قلب الجنرال ينبض بحب الصهاينة وعقله يفكر بالعبري وينصاع تماما للتعليمات وإلا فالعاقبة معروفة.

مرت أكثر من ثلاثة أشهر على اجتماع القمة العربية- الإسلامية المشتركة التي عقدت في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وكان من بين قراراتها كسر الحصار ووقف الحرب وإعداد ملف بالجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال من أجل تقديمه للمحكمة الدولية، ويبدو أن من يقوم بإعداد الملف لا يجيد الرصد ولا يجيد التدوين أو أن الملف جاهز والرغبة غائبة!

يمضي الوقت والمقاومة على الثغور صامدة رغم قسوة الهجوم وضراوة الحرب المدعومة عالميا من أمريكا وأوربا وعربيا؛ بالصمت المخزي والضوء الأخضر لنتنياهو كي يقوم بالمهمة نيابة عن الدول العربية التي لا يجتمع في قلبها حب الصهاينة وحب المقاومة ولا حب أمريكا وحب الإسلاميين على وجه الخصوص.

كل الأصوات المنددة بالحرب على غزة والتي تسمعها عبر شاشات التلفزة أو عبر فضاء منصة إكس (تويتر) هي أصوات مصطنعة، تم تجهيزها وتعليبها قبل الحرب من أجل امتصاص غضب الشارع، والشيء الوحيد غير المصطنع والحقيقي هو المقاومة التي فاجأت الجميع وأطالت زمن الحرب وأذاقت العدو بعض بأسها على قلة إمكانياتها، لا شيء حقيقي سوى صور ومشاهد المقاومين وهم يقتحمون الوغى غير آبهين بالسياسة والسياسيين وغير عابئين بثرثرة النخب التي تخلت عن ضمائرها لصالح الدرهم والدينار والدولار (حسب المصدر).

ثمة مفارقة عجيبة بين عالم الواقع وعالم الخيال، في عالم الواقع ترى المقاومة وهي تصمد وتذيق العدو نصيبه من العذاب وترى جثث المعتدين تنقل عبر البر والجو، وتسمع وتشاهد صراخ عائلات الجنود والضباط القتلى والمصابين ومظاهرات عائلات الأسرى، وفي عالم الخيال ترى من يتحدث عن دعم عربي إغاثي كبير من أجل فلسطين، ولكننا في عالم الواقع لا نرى هذه الإغاثة تدخل إلى غزة، بل نراها مكدسة في شوارع مدينة العريش ومطارها في انتظار التعليمات والتفتيش قبل دخولها.

في عالم الواقع يتم تهجير الفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الجنوب الشرقي، وربما إلى الضفة الغربية من مدينة رفح تحت أعين وبصر الجميع، وفي عالم الخيال نسمع تصريحات قوية عن الخط الأحمر والخط الأزرق وتهديدات ووعيد بعدم الوقوف صامتين إذا ما تم التهجير؛ فإذا به يحدث وإذا بالخيام تنصب، وإذا بصحيفة وول ستريت جورنال (WSJ) تذكر نقلا عن مسؤولين مصريين قولهم إن مصر ستشرف على إقامة 24 ألف خيمة ومستشفيات ميدانية في جنوب غربي غزة، من أجل تهجير الفلسطينيين لحين الانتهاء من الحرب على الشعب في غزة، كما طلب الجنرال بعد أيام من عملية طوفان الأقصى.

في عالم الواقع يتم تهجير الفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الجنوب الشرقي، وربما إلى الضفة الغربية من مدينة رفح تحت أعين وبصر الجميع، وفي عالم الخيال نسمع تصريحات قوية عن الخط الأحمر والخط الأزرق وتهديدات ووعيد بعدم الوقوف صامتين إذا ما تم التهجير

كل الخطوط الحمراء التي تحدث عنها قادة العرب تم تجاوزها، وتبين لي وللجميع أنها أشبه بـ"أحمر الشفاه" الذي تستخدمه النساء في الزينة أو الماكياج كما يقولون، فلا الحصار تم كسره ولا الحرب تم وقفها ولا رفح تم استثناؤها من الغزو، ولا المعونات دخلت ولا المصابون نُقلوا كي يتم علاجهم في مستشفيات العرب، بل يجري الحديث عن نقل ابنة المليشياوي السيناوي إبراهيم العرجاني لمستشفى هداسا في القدس لعلاجها بعد أن فشل الطب المصري في علاجها (والعهدة على الراوي).

يبدو لي أننا بصدد انتهاء حقبة مريرة ومظلمة من تاريخ العرب الحديث، حقبة لم يشهد التاريخ لها مثيلا ولا نظيرا في سوء المنظر وقبح المخبر، فلم يعد المرء يعرف على وجه الدقة إن كان حكام العرب مسلمين حقا أو عربا حقا، أم هل ينتسبون لعالم البني آدمين فعلا وصدقا؟

صدقوني وأنا الذي عشت قرابة ستة عقود فوق ظهر هذه البسيطة أنني كلما حاولت البحث عن شيء أدافع به عن النخب العربية أجدني في نهاية المطاف عاجزا عجزا تاما عن تأكيد ما قد أظنه أنه موقف مشرف لهم تجاه أي قضية، فهؤلاء الحكام هم صنيعة الغرب وهم أبناؤه البررة، وهم لا ينتسبون إلى عالمنا لا نسبا ولا حسبا ولا أي شيء يربطهم بنا، تماما كما لا تربطنا بالغرب صلة سوى صلة المحتل بالشعوب المحتلة.

نحن في نهاية حقبة لم تنته، فما زلنا تحت نير الاحتلال ويحكمنا ويتحكم فينا وكلاء المحتل الذين يتحدثون العربية بلكنات مختلفة، وإن استمر الحال فأخشى أن يحكمنا من لا يجيد مطلقا التحدث باللغة العربية ولا بلكنة أهل بلده.
التعليقات (0)