قضايا وآراء

صبيان العسكر وغلمان الخليج

1300x600
عن عمد تعثرت ثورات الربيع العربي بفعل الثورات المضادة صاحبة الموارد الهائلة ماليا ومخابراتيا، وعوامل أخرى في الطرف الثوري لاعتبارات قلة الخبرة وغياب الرؤية والقوة وكثرة الاشتباكات والانقسام الذي أحدث فراغا تمددت فيه أذرع الثورة المضادة.

أحرزت الثورات المضادة تقدما كبيرا بإدارة صهيو-خليجية من تل أبيب والإمارات والسعودية، وأنفقت المليارات بلا حساب في جميع الاتجاهات، وحضر غلمان الخليج ومعهم صبيان العسكر.

خلاصة المشهد، وكما هو معلوم، أن أنصاف الثورات تتحول إلى سجون وقبور للثوار، وقد كان، لتأتي أنظمة عسكرية يقودها أنصاف وأرباع كفاءات (السيسي في مصر، وحفتر في ليبيا، وحميدتي في السودان، وهاني بن بريك في جنوب اليمن).

وبهذا وقعت المنطقة بين فكي كماشة، الفكاك منها يحتاج إلى معجزة، المعجزات ممكنة، واستباح الغلمان والصبيان كل شيء، الأرواح والأموال والأعراض والدماء، وفرطوا في كل شيء، التراب الوطني وثروات البلاد وسيادتها.

مربع الثورات المضادة ما زال يواصل مهمته الشيطانية المقدسة لاستئصال قوى المعارضة والتغيير بكل ألوانها الإسلامية والمدنية سواء بسواء، وبقايا مربع الثورة في المنافي والداخل ما زالت تعاني التشرذم والانقسام، وهم بذلك يقدمون خدمات جليلة للانقلاب ورعاته في الخليج!!

فهل ما زال الرهان على بقايا منصات المعارضة الحالية رغم كل إخفاقاتها المستمرة حتى الآن؟ أم إننا بحاجة لمنصات قيادة جديدة لنفس الكيانات القائمة، تكون بحجم التحديات الحالية ومستوى الطموحات القادمة؟ سؤال مؤلم.

وللإجابه عليه:

لا بد أن ننظر إلى الحراك العربي في أرض الواقع، لنلاحظ بما لايدع مجالا للشك عدة حقائق جوهرية أهمها:

1- العامل الأساسي في حراك شعوب المنطقة بصفة عامة والشعب المصري بصفة خاصة؛ أنه تمثل في كونه حراكا شعبيا بلا قيادة وبلا برنامج سياسي محدد ضد مشروع حكم، وضد أسس النظام السياسي القائم منذ عام 1952، وهو ما جعله لا يمثل القوى السياسية المعارضة بقدر ما يمثل المجتمع.

2- جمهور الحراك الشعبي مشكل من العديد من الفئات التي تحمل أفكارا مختلفة ومتباينة، وهو مدرك للاختلافات بين مكوناته.

3- إذا توافقت قوى المعارضة على رؤية سياسية موحدة للتغيير، فهذا في الغالب لن ينعكس على جمهور الحراك الذي يتحرك بصورة عفوية وتلقائية في كل حالاته.

4- القوى المعارضة التقليدية في حد ذاتها تعبر عن رؤى متباينة، لا تنتج توافقا على نظام سياسي جديد، بل تنتج مشاريع مختلفة ومتباينة.

5- ربما تكون أي محاولة لقيادة الحراك الشعبي من قبل المعارضة السياسية التقليدية سببا في عرقلة الحراك أو إبراز الخلافات بين مكوناته بدلا من تقويته.

6- ولأن الحراك الشعبي هو مواجهة مجتمعية وليست سياسية للنظام السياسي الحاكم، لذا فإن الدور التقليدي للمعارضة السياسية غير مطروح في هذه الحالة.

7- يرى جمهور الحراك الشعبي في المنطقة، أن بعض القوى المعارضة هي جزء من نخبة النظام السياسي، وأنها تمثل معارضة من داخل النظام السياسي، مما يعني أن دورها يكرس بقاء أسس النظام السياسي الحاكم وليس تغييره، لأن بعضها نتاج تجربة النظام السياسي القائم، فالكثير من القوى السياسية نشأت كجزء من تجربة حكم الفرد حتى وإن اختلفت معه، مما يعني أنها ليست قوى تغيير حقيقية وتوافق قوى التغيير معها يعرقل عملية التغيير.

8- لذا يصعب على القوى المعارضة أن تتوافق على (أسس لنظام سياسي جديد)؛ لأنها مختلفة حول مرجعية رؤيتها السياسية، وكل توافق لقوى المعارضة قد يواجه تحديات تظهر الخلافات بينها، مما يجعلها تتفرق سريعا وتعمق اختلافات المجتمع.

بناء على ذلك، فإن الحراك الشعبي يحتاج إلى قيادة جديدة من داخله تؤمن بالتغيير الثوري وليس التغيير الإصلاحي الترقيعي الذي ثبت فشله، قيادات جديدة من المجتمع وللمجتمع وتمد المجتمع بحزمة من الإجراءات تمكنه من إحداث التغيير الذي يحتاجه، وتضع آلية تمكن الحراك الشعبي من أن يختار النظام الذي يعبر عنه على مراحل ومن خلال التجربة السياسية الفاعلة.

باختصار لا يحتاج الحراك الشعبي لقوى المعارضة التقليدية تقدم نفسها بديلا عن النخبة الحاكمة؛ بقدر ما يحتاج لطريق يمكنه من إزاحة النخبة الحاكمة، وبناء أسس جديدة لنظام سياسي جديد أكثر من حاجته لبرنامج سياسي تتوافق عليه المعارضة.