كتاب عربي 21

مشروع جولييت للخروج من الورطة العربية

1300x600

(1)

كنت أرغب بشدة في تعلم النجارة، حدث ذلك بعد اجتياح صدام حسين للكويت، حيث ظهر الشرخ العظيم في مشروع القومية العربية الذي قدم نفسه طوال عقود باعتباره الأمل الواقعي لتجميع العرب تحت راية وحدوية تستطيع تحرير الأرض المغتصبة في فلسطين وخوض مواجهات الصراع الدولية بندية وكرامة، كنا نقول نحن أولى بالوحدة من الاتحاد الأوروبي الذي يضم بلدانا متفرقة في تاريخها وأصولها وتنطق 24 لغة مختلفة، كان الأمل في وحدة عربية أقرب للعقل، فالتاريخ المشترك يمتد لأكثر من ألف عام على الأقل بين بلدان تنطق جميعها بلغة واحدة مع تنويعات هامشية للهجات ولغات محلية مثل النوبية والأمازيغية والكردية وغيرها، لكن حتى هذه الأقليات اللغوية والثقافية كانت مندمجة في نسيج المنطقة ومؤهلة للتعاون الكريم في إطار مشروع عربي موحد يضمن العدل والحرية والكرامة لكل من يعيش على أرضه وتحت رايته، خاصة وأن الأقطار العربية يجمعها وعاء سياسي جامع (جامعة الدول العربية)، وبالتالي فالمشروع ليس مجرد وهم فردي ولا خيال حالم، إنه واقع مسمى له ميزانياته ومندوبوه وشعاراته واجتماعاته ومؤتمراته، فلماذا لا يتحول كل ذلك إلى واقع سياسي مؤثر؟ 

(2)

أعود إلى سؤال: لماذا رغبت حينذاك في تعلم مهنة النجارة؟

في فترات السقوط العام تساعد الظروف على سقوط الأفراد بسرعة مخيفة، والمثير للدهشة أن أعضاء النخب من المثقفين والإعلاميين وكبار رجال المال والمشتغلين بالسياسة يكونون في طليعة طوابير السقوط، فبحكم اطلاعهم على الأحداث وإدراكهم للتغيرات المقبلة يعيدون تكييف مواقفهم ولغتهم ويظهرون الاستعداد لقبول المعروض في سوق التنازلات.

كان الأمر واضحاً: جامعة العرب سهلت للتحالف الغربي القضاء على دولة عربية عضو في الكيان العربي، لقد صار الأعضاء أعداء، وانضمت جيوش دول عربية للتحالف الغربي ضد جيش عربي آخر، بصرف النظر عن عدالة القضية التي تتعلق بتحرير الكويت من وجهة نظر البعض، أو التهليل لدمجها في العراق باعتبارها إقليما مارقا تم استعادته، أو خطوة أولى في الدمج الوحدوي حتى ولو بقوة السلاح.


كان الانقسام فاجرا ومخيفا، وخرج من حدود النقاش الفكري والتصادم النظري بين المشاريع الأيديولوجية إلى ميدان التطبيق الذي بادرت به أنظمة سهلت لأمريكا كل ما تريده، بحجة أن بغداد خرجت عن النظام الإقليمي والدولي واحتلت أرض دولة مستقلة بالقوة!
  
الكلام الذي يبدو في ظاهره منطقيا لم يسمح للمنطق بأن يسأل عن موقف تلك الدول وجيوشها من تحرير فلسطين أسوة بتحرير الكويت!..

كانت الحجج الرسمية تختزل الواقع في عبوات إعلامية مريبة، وكان الاجتزاء والخلط والتضليل يسمح بتمرير واقع جديد ضد المنطقة كلها، وتورطت في ذلك بنسب متفاوتة مشاريع يسارية ماركسية وقومية ومشاريع يمينية ليبرالية وإسلامية، شارك الجميع (بحسن نية أو انتهازية) في تسهيل الغزوة الغربية للمنطقة متوهما أن الواقع الجديد سيكون لصالحه طالما هو ضد خصومه المحليين، وكانت القومية العربية هي الذبيحة المباشرة في المعركة الأولى، لكن المتابع المخلص للخيانات والخيبات والحسابات الخاطئة كان من السهل عليه أن يدرك توابع ما يحدث من كوارث على الجميع وصلت بنا إلى حضيض التبعية والتفكك والمذلة والتطبيع.. 

 

المثقف الذي يرغب في الاحتفاظ بكرامته ومواقفه في أزمنة التنازلات يصعب أن يعيش بكلمة شريفة في مرحلة الزيف، لأن كلماته ستكون معادية ومرفوضة لما ترغب فيه القوى الحاكمة

 



لهذا رأيت أن العمل بالسياسة والصحافة ومهن الكلام لن يسمح لي بأي مشاركة كريمة، فإما تركب الموجة وتنتهز فرص التغيير للالتحاق بالقادم وإما يقتلك الحصار وتنقرض في جحرك المعزول، حينها فكرت في العمل اليدوي كوسيلة للعيش الكريم، فالمثقف الذي يرغب في الاحتفاظ بكرامته ومواقفه في أزمنة التنازلات يصعب أن يعيش بكلمة شريفة في مرحلة الزيف، لأن كلماته ستكون معادية ومرفوضة لما ترغب فيه القوى الحاكمة، وبالفعل شرعت في التدريب لفترة في ورشة أحد المعارف، وبعد وقت قصير تبين لي أن ذلك لم يكن حلا مريحا ولا صحيحا، فالعالم يهاجمني حيثما أكون وكيفما أعمل، وبالتالي لا يمكن أن أهرب من ملاحقة واقع السقوط من خلال البحث عن طريقة للنجاة الفردية، خاصة وأنا على متن سفينة تغرق بما ومن فيها، ولهذا عدت إلى المواجهة غير المتكافئة مع القوى الطاغية، كأنني كائن ملعون من الكائنات المطاردة في قصص كافكا.

(3)

كنت أتذكر هذا الموقف طول الوقت، وظللت أندم أنني لا أملك أي حرفة أو أرض زراعية أستطيع أن أتعيش منها دون ربط معيشتي بكلماتي وآرائي، لأن كلامي ورأيي دائما ضد مصالحي المباشرة وضد تحقيقي لحياة آمنة ماليا ومعيشيا، لكن هل نجا الفلاحون وأصحاب الأعمال اليدوية من المصير المهلك الموزع بين السقوط والانقراض؟

سألت نفسي، ووجدت الإجابة عالية الوضوح: لم يترك الطوفان أحدا أو فئة، لقد جرفنا الاجتياح جميعا: بارت الأرض الزراعية التي لا تمنح الفلاح حقا ولا كرامة، وانقرضت الحرف اليدوية تحت قصف الاستيراد العشوائي وقتل الصناعات الوطنية وعبودية العمال لأصحاب المال الجدد من السماسرة وأصحاب التوكيلات، وأصيبت القومية العربية في مقتل، ورمت موسكو ورقة الطلاق في وجه الماركسيين، واكتفت الكثير من بوتيكات الليبرالية بعرض بضاعة الغرب وترويج أصناف مغشوشة من التنوير الزائف الذي يخاصم (في معظم اهتماماته) مكونات التربة الثقافية والحضارية والعقيدية للمنطقة، وتحول المشروع الإسلامي إلى "مشروع إرهابي" من خلال خطة ممنهجة للشيطنة نفذها الغرب امتدادا وتحديثا لفكرة الحروب الصليبية القديمة..

هكذا وقعت كل المشاريع الوطنية في نفس الورطة التي وقعت فيها أنا كمواطن: إما التبعية والسقوط في فخ المخطط المرسوم، وإما الذبول والانقراض كنتيجة وحيدة للحصار والتشويه.

(4)

في فترة من الفترات التي أعقبت سقوط بغداد كنت ناقما وغاضبا على الجميع، فقد تابعت السقوط المتوالي للمثقفين من لطفي الخولي إلى علي سالم ومهرولي جماعة كوبنهاغن، وسمعت قيادات دينية وسياسية تجاهر بالتعاون مع الأمريكان وتدعو أتباعها لذلك بحجة أن أمريكا هي ماما وبابا وأنور وجدي وصاحبة أوراق اللعبة، أو كما قال شيخ عراقي من شيوخ الناتو والحوزة مع!!: "سنستخدمهم في إطاحة صدام الطاغية، وبعدها نحن كفيلون بالأمريكان".. لكن الطاغية المحلي (الذي هو في الأصل صنيعة غربية) لا يذهب أبدا إلى الجحيم، إلا إذا أرسله الغرب وجاء بأسوأ منه، أو إذا قرر الغرب إزاحته ليفسح المجال لقواته، وهذا يعني أن الطاغية هو رديف الاحتلال ومدخله إلى حكم البلاد أيا كانت الطريقة المعلنة.

 

وأذكر أنني كتبت في ذلك الوقت سلسلة من مقالات التماهي مع الورطة العربية الكبرى كان هدفها علاج نفسي من الشعور العميق بالعجز والهزيمة، فقد رأيت قطاعا كبيرا من الأكاديميين العرب والمثقفين الموقرين ينتشرون في الأسواق لترويج بضاعة العولمة وإكسسورات الهيمنة الغربية.. تخصص الليبراليون في صناعة أحصنة طروادة تحت مسمى العمل المدني وجمعيات مكافحة الختان والإجهاض والتنمر ضد المختلفين، ولجأ فلول اليسار الماركسي إلى حضانة مستودعات التفكير والجامعات الغربية متنازلين عن الموقف من الهيمنة الرأسمالية حتى وإن تمسكوا بالخطاب الماركسي في عمومياته ولا بأس من نقد أمريكا في جملة أو جملتين مع استخدام شعارات العدالة الاجتماعية باعتبارها زكاة يقدمها الرأسمالي المسيطر لحثالة البروليتاريا الذين صاروا بلا عمل، بينما القوميون يعيشون حالة الهنود الحمر في نهاية الصراع مع الرجل الأبيض..

في واحد من تلك المقالات استخدمت تعبير "استأنستنا الهزائم"، وكانت أول إشارة لتحول جموحي القديم وغضبي العارم من "رفض الجميع" إلى "قبول الجميع".. لقد شعرت أننا جميعا ضحايا لمجرم متبلد يسوقنا جميعا في طوابير السبي أو الذبح، حينها فكرت بتعاطف ومحبة مع الكل، ورغبت بشدة في وسيلة متسامحة للقفز فوق كل الموانع، لتحقيق ما رغبت فيه جولييت وأخبرت به روميو للتخلص من ورطة تفكير القبائل المتنازعة: "تنازل عن اسمك يا روميو"، فالتصنيف في معظم الأحوال قد يصنع الحواجز بين الإخوة ويدفعهم للاقتتال، هذا زملكاوي وهذا أهلاوي، هذا قبطي وذلك مسلم، هذا فتح وذلك حماس، هذا سني وذلك شيعي، هذا ماركسي وذلك إسلامي، هذا سلفي وذلك تنويري، هذا كردي وذلك أمازيجي... انقسام إلى ما لا نهاية.

(5)

حتى لا أطيل أكثر أقول إنني واحد ممن عاشوا يحلمون بالمشروع العربي الإسلامي، وبصرف النظر عن الاسم هو في جوهره مشروع حضارة وحياة عادلة كريمة لكل من يعيش على الأرض العربية الحرة أو من يرتضي الالتحاق بالمشروع من دول الجوار والمشتركين في المصالح، ومن هذه اليوتوبيا "الاعتصامية" لا يمكنني القبول بخيار شمشون الذي يضع الأطراف المكونة لمجتمعاتنا ضد بعضها البعض فيهدم المعبد على رؤوس الجميع، يمكن القبول بالاختلاف والتنوع داخل الوطن الواحد، لكن التضاد المتناحر هو أصعب وأسوأ وأغبى ما في ورطتنا العربية الغارقة في التصنيفات المتعارضة وتعصب المسميات ذات التاريخ المشحون بالذكريات السيئة والضغينة المتبادلة، لذلك فإن شعارات مثل: الأمة الواحدة، ومشاركة لا مغالبة، ووطن للجميع وغيرها من شعارات الاعتصام بالحلم الجميل تدعوني لتصديقها والانجذاب نحوها، وعندما أصطدم بالسراب وألاعيب الخداع السياسي قصير النظر، أعود إلى ذاتي وأتمسك بنفس الحلم الوحيد الصحيح.. حلم الوطن الكبير الموحد الذي يجتهد الغرب طول الوقت في وضع العقبات أمامه، بصرف النظر عن عنوانه، فالغرب لن يسمح بوحدتنا تحت راية إسلامية ولا قومية ولا اقتصادية ولا أي لون، لأن وحدتنا تعني تفككه وقوتنا تعني ضعفه وهو ما صرح به جنرالات الغرب وقادتهم ومفكروهم من أوريان الثاني إلى صمويل هنتنغتون.

(6)

الخلاصة: انبذوا الأسماء والتصنيفات وتعالوا إلى كلمة سواء.

وهذه العبارة الأخلاقية تصلح كأساس لمشروع حضاري يلتقي فيه الجميع على أسس من العدل وحقوق المواطنة بلا تمييز بين أيديولوجية وأخرى....

وأخيراً أسأل العقلاء وأحرار الفكر المخلصين:

هل يفهم روميو نداء جولييت قبل أن يصل المصير إلى الانتحار؟

هذا ما يجب أن نفكر فيه ونكتبه، لأن شكسبير لم يكتبه.. 

وكل عام وأنتم أنزه وأعقل وأحرص على عزة أنفسكم وعزة معتقداتكم ووطنكم الكبير المفقود والمنشود.

tamahi@hotmail.com