كتاب عربي 21

إلى أي مدى تغير موقف تركيا من النظام السوري؟

1300x600

منذ التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ثم الرئيس أردوغان بخصوص العلاقة مع النظام السوري والشغلُ الشاغل للسوريين والمهتمين بالقضية السورية هو مدى تغير موقف أنقرة من النظام واحتمالية تطبيع علاقاتها معه بوساطة أو ضغط من موسكو.

شريحة واسعة من المهتمين بالشأنين السوري والتركي انقسمت على طرفي نقيض بين من يرى أنه لا تغير في موقف أنقرة من الأسد ومن يرى انقلاباً كاملاً وجذرياً فيه، ولكل منهما أدلته وقرائنه.

الأوّلون اعتمدوا على بيان وزارة الخارجية التركية الشارحة لتصريحات وزيرها وتأكيد الأخير على التزام بلاده بالحل السياسي وفق القرار 2254 وبما يراعي مطالب الشعب السوري، وكذلك على عقبات عدة في طريق التصالح مع النظام في مقدمتها عدم ثقة أنقرة به، وشروطه عالية السقف للتطبيع معها، وقصفها لمواقع للنظام وسقوط قتلى نتيجة ذلك بين صفوف جنوده.

وأما الآخرون فقد اتكأوا على المتغيرات في الخطاب الرسمي التركي تجاه الأسد، وسياقها الزمني بعد قمة سوتشي بين بوتين وأردوغان، ومتغيرات السياسة الخارجية التركية في المجمل والساعية للتهدئة والانفتاح على مختلف الأطراف في المنطقة، فضلاً عن حديث وزير الخارجية التركي عن لقائه ـ وإن على عجل وبدون ترتيب ـ مع نظيره السوري قبل أشهر.

وبين هذين الرأيين يقع تقديرنا، وهو أن هناك تغيراً واضحاً في موقف تركيا من النظام السوري ورؤيتها لحل القضية السورية، ولكنه تغيير له إطار وحدود. وشواهد ذلك ماثلة في حديث أردوغان عن "خطوات متقدمة مع سوريا" يأمل بها قريباً، وكذلك عن عدم إمكانية القطيعة بين الدول، ولقاء وزيري خارجية البلدين والذي ما كان له أن يحصل ـ على محدوديته وارتجاله ـ دون تغير في موقف الطرفين من بعضهما البعض، وتبدل مفردات الخطاب الرسمي التركي تجاه الأسد في مدة زمنية قصيرة من "النظام القاتل" إلى "الدولة الجارة"، وقبل كل ذلك حديث جاويش أوغلو عن "دعم تركيا سياسياً لخطوات النظام ضد المنظمات الإرهابية".

هذا التغير، مجدداً، لا يمكن تجاهله ولا إغفاله، بل هو واضح ملموس ويعبر عنه الساسة الأتراك مؤخراً بعدة أساليب وطرق. ولكننا نرجح أنه أقرب للانفتاح على إمكانية الحوار مع النظام منه لانقلاب كامل في الموقف التركي من القضية السورية. ولفهم حجم هذا التغير وإطاره وحدوده، نحتاج أن نورد الملحوظات الرئيسة التالية:

الأولى، أي تغير طفيف في الموقف التركي قد يكون له نتائج كبيرة. ويعود ذلك لاستثناية الدور التركي في القضية السورية، من حيث إنها دولة جارة، ووجودها العسكري المباشر على الأراضي السوري، وتفردها في دعم المعارضة، واستضافتها ملايين المقيمين السوريين على أراضيها، وموقفها الرسمي الرافض حتى وقت قريب لبقاء الأسد في حكم سوريا مستقبلاً، وغير ذلك الكثير.

 

إن التوصيف الأقرب للدقة للموقف التركي المستجد من النظام هو الانفتاح على فكرة الحوار معه، وهو ما لم يكن قائماً من قبل، لكن ذلك لا يعني تبدل استراتيجية تركيا ولا أولوياتها بالكامل. وإنما يعني ذلك أنها مرحلة اختبار قد تشمل مواقف متغيرة ومتدرجة ببطء ولكنها كذلك غير مضمونة النتائج وقد يُنكص عنها في أي وقت،

 



الثانية، أن هناك تغيرا بارزا في الخطاب الرسمي التركي بخصوص نظام الأسد كما سلف تفصيله، وهو أمر يحيل على تغير النظرة التركية ـ وربما الموقف ـ من الحل في سوريا، إذ ليس هناك حديث عن فترة انتقالية يغيب بعدها الأسد عن حكم سوريا وإنما كلام على اتفاق (أو مصالحة) بين النظام والمعارضة. وبرأينا فهذا تغير مهم وجوهري وقد تكون له ارتدادات مستقبلاً، ولا ينفي دلالاتِهِ تأكيدُ بعض التصريحات التركية على الالتزام بالقرار 2254.

الثالثة، بات الملف السوري في قلب المشهد السياسي الداخلي في تركيا وعلى أجندة الانتخابات، وأولوياتُ الحكومة فيه مكافحة الإرهاب وعودة/إعادة عدد كبير من المقيمين السوريين إلى بلادهم. وقد تعاظم في الآونة الأخيرة في تركيا خطابُ ضرورةِ وفائدةِ الحوار مع النظام والتعاون معه في هذين الملفين على وجه التحديد بعدِّهما ضمن المصالح المشتركة.

الرابعة، من المستبعد أن تذهب أنقرة لاعتراف كامل بالنظام أو تعاون شامل معه، إذ إن من شأن ذلك أن يقوّي موقفه المنادي بضرورة انسحاب القوات التركية من سوريا. صحيح أن ذلك لن يدفع أنقرة للانسحاب من سوريا الآن ولا قريباً قبل ضمان أمنها، لكنها ليست في وارد تغذية سردية النظام وإضعاف موقفها أمام الروس تحديداً.

الخامسة، الموقف التركي المستجد أقرب لمرحلة اختبار نوايا وفحص إمكانية نجاح المسار الجديد منه لمسار ثابت ومستقر بأهداف واضحة وسقف زمني محدد.

السادسة، وبناء على كل ذلك فمن غير المنطقي أن تذهب أنقرة لهذا المسار، الذي هو بمثابة عملية تفاوضية من نوع خاص، متخلية عن أوراق قوتها وفي المقدمة منها وجود قواتها في سوريا وعلاقاتها مع المعارضة السورية السياسية والعسكرية، والأخيرة هي الأهم.

وفي الخلاصة، فإنه إن كان من غير الممكن إنكار المتغيرات الواضحة في الموقف التركي من سوريا ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة مع النظام، إلا أنه سيكون من قبيل المبالغة عَدُّ ذلك انقلاباً كاملاً في الموقف وانتقالاً من معسكر لآخر.

إن التوصيف الأقرب للدقة للموقف التركي المستجد من النظام هو الانفتاح على فكرة الحوار معه، وهو ما لم يكن قائماً من قبل، لكن ذلك لا يعني تبدل استراتيجية تركيا ولا أولوياتها بالكامل. وإنما يعني ذلك أنها مرحلة اختبار قد تشمل مواقف متغيرة ومتدرجة ببطء ولكنها كذلك غير مضمونة النتائج وقد يُنكص عنها في أي وقت، بدليل استمرار استهداف مواقع قوات سوريا الديمقراطية، شرق الفرات وغربيّه، بل واستهداف قوات النظام أكثر من مرة مؤخراً رغم الحديث عن إمكانية الحوار.